الحجة هي المرحلة التي يتحقق معها الإذعان العلمي لموضوع قامت عليه، فإن وافق العقلُ والنفس ذلك الإذعان عاش الإنسان أجواء الحكمة وما توفره من سكينة وطمئنينة، وإن خالفاها فإنه يصارع الحق فلا شك أنه يُصرع، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “من صارعَ الحقَّ صرعه”.
لقد قامت الحجة بتمامها وكمالها على كل من عاش عصر المعصومين (عليهم السلام)؛ فهو مع القرآن وحديثهم المقدس على مسافة علمية واحدة نصًا وفهمًا؛ إذ أن وجود المعصوم (عليه السلام) رافعٌ حتمًا لأي شبهة أو اشتباه، وحتى عمل الناس بالظاهر فكما أنه حجة على جواز الأخذ بالظاهر بدليل عدم الردع عنه، فهو أيضًا دليل على أن هذا الظاهر المفهوم موافق أو لا أقل مرضي عند الله تعالى، فلا حيرة ولا توقفات تعتري سيرة الناس مع قيام المعصوم (عليه السلام) بينهم شخصًا.
إنه ومن سوء أفعال الإنسان وخسرانه أن الله تعالى حجب عنه هذه النعمة العظيمة بغيبة الإمام المنتظر (أواحنا فداه)، ولقلة حيلته من جهة وللطف الله تعالى به من جهة أخرى أُجيز له العمل بالظن في بعض الموارد الخارجة بالديل، مثل العمل بالظواهر والأخذ بأخبار الأحاد (الظنية)، وهو يرجو بها إصابة الواقع وإلا فهو معذور عند الله تعالى بشرط التزامه الموازين العلمية الصحيحة.
بين قوسين (من أعظم الكوارث التي تواجهها ثقافة الناس اليوم كثرة تداول الأحاديث المنسوبة لأهل بيت العصمة (عليهم السلام) دون التثبت من صحتها، بل وأخطر من ذلك النقل بلا رجوع إلى مصدر معتبر، والمصيبة أن الكثير مما يتناقله الناس لم يرد أصلًا لا على لسان معصوم ولا حتى صحابي بل ولا حتى تابعي، وهذه في الواقع جريمة يرتكبها البعض في حق الإسلام العظيم عمومًا ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) على وجه الخصوص).
على أية حال فإن غاية ما يدركه الإنسان والحال هذه العذر عند الله تعالى، وإلا فهو التيه والضلال بعينه، وهو مانع من القدرة على التمكن من التمسك الحقيقي بالثقلين المقدسين كتاب الله والعترة الطاهرة؛ إذ أن التمسك بهما إنما هو لكونهما طريقًا إلى الواقع المطلوب لله عز وجل، وبذلك فإن المؤمن وبالرغم من التزامه التعاليم الشرعية بحسب الفهم العقائدي والفقهي والأدبي إلا أنه لا يزال في ضيق عدم إصابة الواقع، وإن كان معذورًا عند الله تعالى.
من هنا، فإن مجرد الالتفات إلى علمي الرجال والدراية فإننا ننتهي إلى مشكلة حقيقية مصيرية نحاول معالجتها بعد انسداد باب رفعها، ونفس قيام هذه المشكلة يحملنا مسؤولية عقائدية عملية هي الأهم مطلقًا وبلا منازع أبدًا..
إنها مسؤولية العمل بجد وإخلاص وصدق على تعجيل فرج الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه)؛ فغيبته تعني مباشرةً بقاء الضيق العلمي والضنك المعرفي واستمرار البعد عن الواقع المطلوب للباري جلَّ في علاه.
لا بد لنا إن أردنا الخير لأنفسنا أن لا ننشغل بغير البحث عن الأدوات والآليات التي تمهد لقيام دولة الحق المهدوية، وكذلك الاجتهاد في إيجادها وصناعة واقعها، ثم الابتعاد التام عن كل ما يشغلنا عن هذا الهدف السامي الجليل.
وفي نظري أن التغيير من الله تعالى هو التغيير بقيام تلك الدولة المقدسة، وهي مشروطة لتغيير ما بالنفس (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ).
وعليه فإن أي إنشغال عن قضية الإمام المهدي (عليه السلام) وما يمهد لدولته المباركة ويقدم لنهضته المقدسة فهو –في فهمي- ضلال دون أدنى شك.
السيد محمد علي العلوي
16 صفر 1435 هجرية
20 ديسمبر 2013 ميلادية