أينما التَفَتُّ فإني أجد طغيانًا صريحًا لما نفهمه من قول الحق تعالى عن لسان إبليس (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)، وكذلك (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، ثم أن القلب يُصدم ويتصدع عندما يقف أمام قوله تعالى (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ)..
فالسؤال هو: كيف أنا من سلطان الشيطان وجنوده؟ إلى أي درجة وصل استحكام سلطانه علي؟
ليس التدين كلمة يرددها اللسان، ولا هو لباس تتميز به فئة عن أخرى.. ولا هو شعارات ومطولات، كما وأن التدين ليس بكثرة الصلاة ولا بأثر السجود على الجباه..
كل هذه مظاهر قد يظهرها التدين الحقيقي وقد يكون المُظهِر لها تَقَمُصٌ كذاك الذي تحرك من ورائه رواد السقيفة!!
إننا نعيش تحت مِقْصِلَةٍ تَخْتَلِفُ على أوجادنا حتى بتنا وأصبحنا ونحن في عجز كبير عن التفريق بين التدين والتقمص، وبين الوضوح والازدواجية، وبين الثبات والتذبذب.. بل وأمَرُ من ذلك أن التقمص صار تدينًا، والأزدواجية وضوحًا، والتذبذب ثباتًا..
ما هو السبب أو الأسباب يا ترى؟
فلنتأمل بهدوء..
كم نسبة أولئك الذين يتمكنون من فرض سلطانهم الإيماني على شاشات التلفزيون؟
ولنكتفي به سؤالًا (مفتاحيًا) لما نحن فيه..
تَوَعَّدَ القعود لنا متفرغًا لمهمة قد نذر نفسه لها تمامًا، فصرح بأنه آتينا عن أيماننا وعن شمائلنا ومن بين أيدينا ومن خلفنا، كما وأنه قالها بوضوح (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)!!
مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو برنامج ثقافي وربما (ترفيهي).. كلها عناوين جميلة وبحسب لغة Whatsapp (ولا أروع)، أليس كذلك؟
هذه البرامج التلفزيونية التي (ولا أروع) تصاحبها الموسيقى والغناء والنساء المتبرجات وقصص الحب والغرام والخيانة وحكايات السفاح وأخواتها، فتُمرر من خلالها مئات الرسائل الناقضة مباشرة لجوهر التدين والالتزام.
وقد يظن البعض أن البرنامج التلفزيوني ينتهي بانتهاء وقته، وهذا وهم خطير جدًا؛ فالصور الإعلامية تستمر في لا وعي المتلقي شاء أم أبى، ثم أنها تتركب بشكل دقيق جدًا لتشكل ثقافات خفية تظهر في سلوكيات مقصودة فتنقلب الصور في الواقع ثم أنه لا يُعرف (الرأس من الكرياس)!!
من المفترض أن يكون المتدين حالة متميزة في المجتمع، ولذلك فتح الإمام الكاظم (عليه السلام) باب المنافسة بين المتدينين بشكل رائع عندما قال “ليس من شيعتنا من لا تتحدث المخدرات بورعه في خدورهن، وليس من أوليائنا من هو في قرية، فيها عشرة آلاف رجل، فيهم من خلق الله أورع منه”.
ولكن الواقع أن التدين في منتحليه ضعيف جدًا، وإن لم تتحرك الغِيَر الإسلامية نحو القوة وتحصيل أسبابها فإن المآل بلا أدنى شك إلى ما هو أكثر كارثية من التالي:
عندما يطرح هذا الموضوع ويكون الكلام حول الفضائيات والمجمعات التجارية ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن الصوت الأبرز هو: (ماذا تريدون من الناس؟ وهل التدين أن نموت؟)
هل لاحظتم كيف أن الصور انقلبت تمامًا حتى أصبح التدين بتقواه وورعه (موت) في قبال (حياة) التلفزيون والمجمعات والسينمات والاختلاط!!
هذا والله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، فالحاصل هو أن الحياة التي يريدها الله تعالى للناس أصبحت عندهم (موت)، والموت الذي يريد الله إبعاد الناس عنه، صار عندهم (حياة)..
وكلمة أخيرة:
في الجامعة..
الشاب، الذي من المفترض أن يكون مؤمنًا متدينًا فإنه هناك يشبه إلى حد كبير المعتقل السياسي في غرف التعذيب عندما لا يدري من أين تأتيه الضربات الشرسة القاسية، فهو في الجامعة، ومِنْ حولِه روائح العطر النسائي وألوان المكياج والضحكات والمزاح…
إلى أي مدى يستمر ثباتك أيها الغالي، والناصر قليل؟؟!
قوي أنت أيها الشيطان اللعين، فقد نجحت إلى حد كبير في تشكيل (التدين) بحسب ما تريد.. ولكنك ضعيف سخيف أمام عباد الله المخلصين، وهم الذين خرجوا من عنق زجاجة الدنيا إلى رحاب الحرية وآفاق الروح المنعتقة من العبودية لغير الله تعالى..
(قصة قصيرة أسرها إليك:
قال الشاب (المتدين) لحبيبته (المتدينة) بعد مكالمة دامت لما قبل أذان الفجر:
يا الله حبيبتي بقوم أقرأ زيارة عاشوراء عشان الله يوفقنا..
فقالت له:
وأني بقوم أقرأ دعاء التوسل عشان الله يبعد عنك البنات).
ثم انهما: متدينااااااااان.
السيد محمد علي العلوي
18 صفر 1435 هجرية
22 ديسمبر 2013 م