التطبير.. يا قائم آل محمد

بواسطة Admin
0 تعليق

فتحنا أعيننا وللعاشر من المحرم وضع خاص.. هيبة، ترقب، لون أحمر مختلف.. صوت الطبل كان المائز بين الطفل الجبان وذاك الشجاع الذي يتفاخر بين أقرانه إذا عاد إليهم بعد موكب (الحيدر) وملابسه ملطخة بدماء المطبرين.. أما عصر العاشر فتتحول فيه المنامة على وجه الخصوص إلى حالة من السكون الموحش بعد أن تودعها الحركة إلى منطقة السنابس لتعلن هناك (حيدرًا) عاشورائيًا جديدًا.. وفي الثاني عشر من المحرم يسدل الستار على موعد جديد تاريخه السنة القادمة..

أذكر جيدًا أن المطبرين كانوا يحملون هوية واحدة واضحة المعالم لا يتمكن أحد من مؤاخذتهم عليها، وهي هوية التشيع والموالاة والإيمان بقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، فلم يكن للتحزب المرجعي لون آنذاك، أذكر هذا جيدًا.. 

في يومٍ من أيام عاشوراء سرى بين الناس خبرُ فتوى المرجع السيد الخامنئي (دام ظله) بحرمة التطبير، وكأني هناك على عتبات المدخل لأحدى الحسينيات بعد فراغ موكب العزاء أشهد حوارًا بين مسؤول الحسينية ومجموعة من الشباب حول موكب (الحيدر).. هل نخرج أم لا؟؟

كان الحوار هادئًا مشوبًا بالكثير من الخوف والوجل، ولكن الرأي استقر في آخر الأمر على عدم تسيير موكب الحيدر، شعرت حينها بأن ساعات عجاف تفصلنا عن حدث لم أتمكن من تحديد معالمه، غير أنني كنت خائفًا جدًا عندما رأيت حركة غير طبيعية من بعض الشباب وكأنهم ينون شيئًا مخالفًا لما استقر عليه الرأي..

مرت الساعات تُقطع دقائقها حتى حانت اللحظة المرتقبة وإذا بمجاميع متفرقة تخرج من بعض الأنحاء وكل واحد فيها يلبس طاقية يسيل من تحتها القليل من الدم.. طبروا.. طبروا دون إثارة ولا ضجة، أتدرون لماذا؟

إن لدم التطبير في العاشر من المحرم خصوصية لا أجد لها تعليلًا علميًا، إلا أنها حقيقة لا يسعني إنكارها، فقد شهدتها مسامات وجهي وراحة كفي عندما يلامسها بسيلان دافئ أرى فيه أنحاء من كربلاء وألمس من شموخه صمود الألم الزينبي الخالد.. نعم هو هكذا ولا أطلب من أحد الاقتناع بما أقول، فوجدانيته عندي تكفيني مؤنة الجدال..

بعد فتوى التحريم بات واضحًا بأن مواكب التطبير أصبحت ذكرى قد تعود.. وقد لا تعود..

مرت السنون وإذا بخبر ينتشر.. غدًا يخرج موكب (العاشقين).. غدًا يخرج التطبير، وبالرغم من أن كون المطبر عاشق حسيني لا ينفي أن يكون غيره عاشقًا أيضا إلا أن الحالة النفسية للإنسان لعبت دورًا مهمًا في توجيه المصطلحات والنعوت توجيهات أقل ما أقول عنها أنها غير جيدة، ففي المقابل توجهت تهمة العداء للنظام الإسلامي (ولاية الفقيه) إلى كل من يخالف فتوى حرمة التطبير، هذا والعاشقون يتهمون المحرمين بتهمة معاداة الشعائر وحصرهم قسرا في زاوية المواجهة المباشرة مع الإمام الحسين (عليه السلام)، والحال أن الفريقين يذوبون عشقًا فيه (صلوات الله وسلامه عليه)، ولكنها النفس البشرية وما أدراك ما هي عندما تتسلط على مفاصل الفكر فتسلبه القدرة على التأني والنظر وكأنها ثعبان يلتف على فريسته فيحولها إلى شبه خرقة لا حول لها ولا قوة..

عاد التطبير مستندًا إلى رأي فقهي يجيزه بل ويندب إليه، وهذا في حد ذاته كاف لإغلاق باب الصدام المدمر إذا كان هذا الأخير لازمًا لأي حوار بين مجيز ومحرم، ولكن الذي حصل هو تحويل الناس الرأي الفقهي إلى حكم واقعي يستحيل تبدله، فكانت النتيجة اصطباغ دم التطبير من جهة ورايات اتهامه بالمنكر من جهة أخرى بلون صارخ يحكي عنادًا أقسى من معاندة الباطل للحق!

إنني أتسائل.. ماذا لو قام دليل جديد عند الفقهاء بخلاف ما أوصل إليه الدليل القائم فعلًا فظهرتْ حلية التطبير للمحرم أو حرمته للمجيز؟ هل سوف يقوم المقلدون بالعدول عن مراجعهم؟ وهل تغير الرأي الفقهي مسوغ للعدول؟

سمعت من بعض الأخوة المطبرين قولهم بأن مرجعنا في خصوص التطبير هو الإمام الحسين (عليه السلام)..!!

أقول: ولماذا في خصوص التطبير فقط؟ فلنلغي باب الاجتهاد ونبني على: حَسْبُنا العترة الطاهرة، فنكون كذاك الذي قال: حسبنا كتاب الله!!

لا أدري.. بل لا أفهم كيف يجعل بعضٌ كُلَّ الدين والتدين والحب والبغض في تحريم التطبير..

ولا أفهم كيف يجعل بعضٌ آخر التطبير مطلوبًا لنفسه وكأنه الوجه الآخر لتوحيد الله سبحانه وتعالى!؟

لقد جَرَّتْ العصبيةُ ودفعَ التعصبُ مجتمعنا إلى مهاوي التمزق والفشل وذهاب الريح بعدما حصر مؤمنون فكرهم التديني في تسقيط تيار بأكمله لإيمانه بالتطبير، وفي الطرف المقابل يأتي من يشرعن التهجم على المراجع والفقهاء متوهمًا أنه يفدي الحسين (عليه السلام) وقضية كربلاء..

من حق قلوبنا أن تتساءل.. إلى متى نعيش دوامة الصراعات المدمرة وكأنها هواية نلقى فيها أنفسنا؟ إلى متى، ولِمَ كل هذه الطعنات التي أثخنت المجتمع بجراح غائرةٍ نازفةٍ مؤلمةٍ..

إنه الفشل في انجاز يرتقي إلى طموح الفكر الشيعي.. إنه اختزال العملاق الولائي في قضايا إن كانت مهمة فالأهم يزاحمها حتمًا، وليس من العقل تقديم المهم على الأهم.. إنه وَصْدُ الأبواب الفكرية وسد آفاق العطاء الابداعي الشيعي بحجج لا واقعية لها من قبيل تجنب النجاسة السياسية وترك كل شيء حتى ظهور إمامنا المهدي (أرواحنا فداه).. إنه الفشل في استيعاب رقي العقلية الشيعية الخلاقة، وهذا الفشل قد لا أبالغ لو قلت بأنه العلة التامة لإدماننا كَيْف الصدام والنزاع وكأنه الكوكائين الذي نتنفس ذراته القاتلة فنتوهم العيش.. وا أسفاه على أمة أحبها الله فأنعم عليها بأئمة حق يهدون بأمره فتنكرت لهم عمليًا بعد أن أعلنت عشقهم بشعارات يثبت في كل يوم خوائها..

قلب مهدي آل محمد يشهد، فليس أقل من هدنة نريحه فيها من آلام جاهليتنا الأولى..

 

السيد محمد علي العلوي

22 محرم 1432 هجرية

28 ديسمبر 2010

مقالات مشابهة

اترك تعليق


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.