ما هو حجم الحديث في مجتمعاتنا (المتدينة) حول الثواب الإسلامية الأصيلة؟
بل فلنقل: هل أن للثوابت وجود في ثقافات ومعارف المجتمع (المتدين)؟
ثم هل أن عموم المجتمع المتدين فيه تمكن من التفريق، بل هل يمتلك علمًا بالفرق بين الثوابت والمتغيرات والأصول والفروع وفروع الفروع؟
وليُطرح بعدئِذ السؤال التالي: ما هو حجم التداول لغير الثوابت، بل وغير القناعات؟ ما هو حجم التداول لأفكار لا مدخلية لها لا في الثوابت ولا في الأصول، وما هو حجم الخلافات والصراعات والتمزقات التي تنشأ بسببها؟ وكم منها قد تحول إلى ثوابت جُعِلَتْ أصيلة وقد يُتنازل لصالحها عن قيم حقيقية تقوم الإنسانية عليها ويبتني الإسلام في قوته ببركاتها؟
بدأت كوارث التمزق والتشظي في بعض مراحلها عندما أعطى الإنسان نفسه حق الحكم على الآخرين دون أدنى مراعاة لا للإحاطة الصحيحة بموازين التشخيص ولا لقواعد الاحتياط والتقوى، فأصبح الدين يُحارب بالدين، والتقوى تُضرب بالتقوى، والإخلاص يسحق بالإخلاص، والصدق يُطحن بالصدق، حتى أمست مشاكل البلاد والعباد ذات بعد واحد لا شريك له، هو بعد الدين والتدين، فمتى ما وجد التدين وجدت الفتن وقام الذبح ماديًا ومعنويًا، وأينما كان الدين كانت التمزقات والبينيات وظهرت قوائم الفرز السلبي!
في السياسة عندما (يُعزل) الدين فإن تيارات وأحزاب تتمكن من التوافق بل والتآلف بلا إشكالات غير تلك المعتادة في طبائع البشر، ولكنه وبلا سياسة ولا يحزنون فإن هذا المسجد يعادي ذاك، وتلك الحسينية ضد (خاص) لجارتها، وهذا (العالم) يسقط غيره، وفلان (رادود) يغتاب زميله..
نعم، هناك تناحرات في مختلف الميادين، وربما كانت شديدة جدًا، ولكن أن نجدها بين المتدينين المصلين ذوي اللحى والجباه المميزة، فهذا منكر بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهل أن الأديان تنشر البغضاء؟ هل في الأديان هذا الحشد العظيم من سواد القلوب الذي يلازمه نفاق ممتاز بجدارة عن سائر أنواع النفاق؟
يا شباب الأمة.. هل تفضلون دولة يحكمها الإسلام، أو أنكم مع دولة يحكمها العدل والمساواة يتشارك فيها الجميع ولا يسأل على بابها عن دين؟
لاحظوا جيدًا كيف تمكنوا من التفريق الحاد جدًا بين (الإسلام) وبين دولة العدل والمساواة والإنصاف، فأصبح الإسلام في قبال هذه القيم!!
هل من ذاب يرد هذا الإشكال؟
إنه وإن وجد، فهو ضعيف مغموس في الوهن و(السخف)..
أي إسلام ذاك الذي تدافع عنه وقد فاقت فرقه المئات وأكثر.. مذاهب وتيارات ومرجعيات وفي داخل المرجعية الدينية الواحدة نصنيفات، وفي كل تصنيف أقسام، وبينها أبواب الحوار موصدة بأقفال التكفير والتضليل والتهمة بالفسق والزندقة!!
ثم أنهم إلى الإسلام يدعون!!
أي إسلام هذا الذي تدعون إليه؟
لم تكن منكم تقوى في أنفسكم، ولا في أهليكم، ولا في ناسكم ولا في مجتمعاتكم، ولا في أمتكم، ولا تقوى لكم في الثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة..
بدأتُ أفهم سبب العزوف عن المساجد وقلة الإهتمام بصلاة الجماعة وضعف الاكتراث بأوقات الصلاة وخصوصًا الفجر..
إنه هنا: ما الذي أعطانا الدين غير الخلافات والمشاحنات والذبح والقتل؟
هذا هو الواقع المؤلم..
وثمة واقع آخر ليت الشباب ينتبهون إليه.. إنه واقع الإسلام الجميل، وهو ليس كما يظهره المسلمون اليوم، فهذا الأخير اسلاموية قسرية..
أما الإسلام فإسلام التفاهم والمجادلة بالتي هي أحسن..
الإسلام دين الديل والبرهان ثم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..
الإسلام يعادي أعداء الله بلا تهاون، ولكنه يشخص جيدًا ويعي أهمية التوقيت للمواجهة، والراية بيد المعصوم (عليه السلام) ثم الفقهاء في مجلسهم الشوري الذي يرفع من قيمة الإنسان وينشر في المجتمعات وعي الحوار وثقافة التفاهم..
الإسلام دين التسامح والمداراة، إنه دين العفو والتجاوز..
إسلامنا جميل كله رقي وحضارة، فلنأخذه من منابعه لا من قلوب تتقيح كرهًا وأحقادًا..
السيد محمد علي العلوي
14 صفر 1435 هجرية
18 ديسمبر 2013 ميلادية