توارث البكاء والجزع، ومحاولات التحليل (المخبري)

بواسطة Admin
0 تعليق

Screenshot

لا يكاد يوم يخلو من ذكر الإمام الحسين (عليه السَّلام) وما جرى عليه وعلى أهل بيته من مصائب في كربلاء، حتَّى أيَّام الأعياد يُزار (عليه السَّلام) وتحضر مصيبته في نصِّ الزيارة..

منذ استشهاده (عليه السَّلام) قبل 1387 سنة (61 للهجرة) ولم يتوقَّف رِثاؤه، وإن اختلفت الأنماط والأطوار إلَّا أنَّ الرِّثاء حاضر دائمًا..

العجيب في هذا الأمر أنَّ حرارة البكاء، بل واللوعة والجزع عند ذكر الحُسين (عليه السَّلام) هي هي!

تُعادُ في أيَّامنا نفسُ القصائد، وتُعَاد نفسُ مشاهد الفاجعة، وبنفس أطوار الرِّثاء.. وفي كلِّ مرَّة نرى المجلس وهو يموج بشدَّة من بكاء الكبار والصغار، ونوحهم، وجزعهم بشكل لم أره يومًا في بكاء والد على ولده، بل ولا أمٍّ على شبابٍ فقدته على حين غرَّة! وإن رُؤيَ يومًا إلَّا أنَّه يبرد مع مُضي الوقت ويعود ذكرى أليمة..

أمَّا الحُسين، والعِترة الطاهرة من الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) إلى خاتم الأوصياء إذا ذُكِرَت غيبته، فللحسرة في قلوب المؤمن عليهم حرارة لا تبرد أبدًا؛ وعن جعفر بن محمَّد (عليهما السَّلام)، قال: “نظر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى الحسين بن علي (عليهما السَّلام) وهو مُقْبِلٌ، فأجلسه في حِجْرِهِ؛ وقال: إنَّ لِقَتْلِ الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد ابدًا. ثُمَّ قال (عليه السَّلام): بابي قتيل كل عبرة. قِيلَ: وما قتيل كل عبرة يا بن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ قال: لا يَذْكُرُهُ مُؤمِنٌ إلَّا بَكَى”.

عمدتُ في بعض الأيَّام إلى بحوث أكاديميَّة تبحثُ مِثل هذه المسألة، فقرأتُ نظرية (الفَوران الجماعي – Collective Effervescence) للإيميل دوركايم، وقرأتُ شيئًا مِمَّا كُتِبَ في إنتاج (الهويَّة المُشتَركة – Collective Identity)، وكذا ما قِيل عمَّا يُسمَّى عندهم بـ(التطهير العاطفي – Catharsis)، وفي (صناعة الذاكرة الوجدانية – Anthropology of Emotions)، وغيرها مِمَّا كُتِب في الأمر.

هي بحوث مهمَّة درست وأنتجت نظريات على مستوى من الإحكام، ويُفيد منها من يريد تحليل أو صناعة واقعٍ سياسيٍّ، أو أدبيٍّ، أو عقديٍّ، أو ما شابه من مُبتدعات الإنسان ولأغراضه الخاصَّة.

ولكنَّها مُهلهلةٌ، ظاهرةُ الضعف عند محاولة تطبيقها على قضية ممتدة على مدى أكثر مِن اثني عشر قرنًا!

إنَّها محاولات الإنسان البائسة والمتهالكة لوضع كلِّ شيءٍ في نَمَطٍ بحثيٍّ مخبري، ولو أنَّهم (خرطوا القتاد) لكان أحفظ لكرامتهم العلميَّة من الخوض فيما لا يُفسَّر بغير الغيب ومشيئة الله (عزَّ وجلَّ).. والشواهد في هذا الصدد أكثر مِن أن تُحصى..

أُنبِّه هنا على أنَّني لا أتحدَّث عن مواكب اللطم وما نحوها، بل ولا أركِّز حتَّى على مجالس النعي والرِّثاء، ولكنَّ كلامي عن أصل تأثُّر الفرد المؤمن حتَّى لو كان في لوحده يقرأ المصيبة أو تُقرَأ له.. وهذا تنبيه مهم لِمن يريد الوقوف على المسألة بموضوعيَّة تامَّة..

سمعتُ مَنْ يتساءل مُستنكِرًا عن هذا البكاء المستمر، والجزع الَّذي لا يهدأ مِنَ الشيعة على أئمَّتهم (عليهم السَّلام)..

والجواب على مثل ذلك سهل.. وملخصه هو؛ أنْ عَليكَ، يا هذا، أن تدعو الله (عزَّ وجلَّ) بصدقٍ ببصيرة يمنُّ بها عليك.. لِتَفهم وتعي، وإلَّا فالأمر لا يعنيك. والسَّلام.

مقالات مشابهة

اترك تعليق


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.