أزمة التشخيص.. والتكليف بالصمت تعبُّدًا

بواسطة Admin
0 تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ محمَّدٍ وآلِه الطيبين الطاهرين.

أزمة التشخيص.. والتكليف بالصمت تعبُّدًا

قال الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) في حديثه الشَّريف مع عمر بن حنظلة: “وَإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ؛ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ، وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلى رَسُولِهِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ  بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ  بَيْنَ ذلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ“.

توطئة

تعود جذور الأزمات الفكريَّة والاجتماعيَّة، في كثير من الأحيان، إلى فجوةٍ معرفيَّةٍ بين إدراك الأحكام الكليَّة وتشخيص مصاديقها الخارجيَّة. وتسعى هذه المقالة إلى تفكيك إشكاليَّة الخطأ في التشخيص الموضوعي الخارجي، وبيان أثره في الانحراف وسلوك سبل الضلال.

وتنطلق المقالة من تأصيلٍ منطقيٍّ لبنية القضيَّة الحمليَّة وشروط الإحاطة بحدودها، لتكشف، عبر الشواهد، عن أزمة إسقاط المفاهيم الذهنيَّة على واقعٍ مشتبه.

وفي ضوء قانون الكتاب والعترة، تخلص المقالة إلى بيان الضوابط الشرعية المعيارية الحاكمة، والمتمثِّلة في وجوب الأناة والتثبُّت العلمي، وتأصيل التكليف بالصمت والسكوت تعبُّدًا عند تزاحم الشبهات وغياب القيود؛ بوصفه صمَّام أمانٍ يعصم المؤمنين من مهاوي الضلال ومزالق الفتن والافتتان.

إذن، فهذه المقالة تهدف إلى بيان خطورة الخطأ في التشخيص الموضوعي؛ إذ إنَّ العلم اليقيني بالحكم الشرعي لا يكفي إذا أُسقط على موضوعٍ شُخِّص تشخيصًا خاطئًا، لأنَّ ذلك يفضي إلى تحميله حكمًا ليس له. وفي بعض الفروض قد تكون النتائج وخيمة، بل مناقضة، على نحو النقض، لما يريده الله تعالى.

مُقدِّمةٌ لبيان المسألة:

يتكوَّن العلم بالشيء من مجموعة قضايا، وتُسمَّى أيضًا مسائل، وهي تتألَّف من ثلاثة حدود: النِّسبة، وهي التي تُظهر العلاقة بين الحدَّين الآخرين، وهما الموضوع، وهو المحكوم عليه، والمحمول، وهو الحكم.

مِثال: محمَّدٌ (صلَّى الله عليه وآله) نَبيٌّ.

في هذا المِثال أثبتنا النبوَّة لمحمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، ويصحُّ أنْ نقول: حكمنا على محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه نبي، ويصحُّ أيضًا أن نقول: حَمَلْنَا النبوَّة على محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ وتفسير كلِّ ذلك هو ثُبوتُ نسبة النبوَّة لمحمَّد (صلَّى الله عليه وآله). وليس بخافٍ عليك أنَّ هذا الإثبات إثبات مُدَّعى بالتصريح اللفظي، والعاقل لا يصرِّحُ قبل أن يُحكِم الاستدلال على صحَّة النِّسبة.

إنَّ عبارةَ (محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وآله- نَبيٌّ) قضيَّةٌ كوَّنها موضوعٌ؛ هو (محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وآله-)، ومحمولٌ؛ هو (نَبيٌّ)، ونِسبةٌ؛ وهي نِسبة ثبوت النبوَّة (المحمول) لمحمَّدٍ -صلَّى الله عليه وآله- (الموضوع).

هذا في حال ثبوت (النِّسبة)، أمَّا في حال نفيها؛ فيُسلَبُ المحمول عن الموضوع بلفظ يدلُّ على السلب، كما في قول: وائِلٌ ليس بِنَبيٍّ.

وفي التحليل المنطقي، تكون النِّسبة هي الرابطة بين الموضوع والمحمول، وللتفريق العلمي بينهما اصطُلِح على تسمية المثبَت للموضوع، أو المسلوب عنه، بالمحمول.

يبدو الأمر سهلًا مع مثل هذه الأمثلة، غير أنَّه ليس بهذه السهولة في موارد استخراج الموضوعات من النصوص المُسترسلة، ولا في التشخيص الصحيح لطرفَي القضيَّة بما يفضي إلى حملٍ صحيح؛ فإنَّ هذا العمل لا يحتمل جرأةَ من لا يمتلك من العلم والمعرفة ما يُمكِّنه من التشخيص السليم والإحاطة بحيثيَّات الطرفين.

مِثالان:

يقول الله (عزَّ وجلَّ) في سورة الجُمُعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ * هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ﴾.

لو أردنا تحليل النَّص القرآني الشَّريف إلى مجموعة من القضايا الحمليَّة الصحيحة؛ فإنَّ الطريق إلى ذلك محصور في الاستخراج الصحيح للموضوعات والمحمولات، وإدراك النِّسبة بين كل موضوع ومَحْمُولِهِ، فتكون النتيجة على النحو التَّالي:

الموضوع الأوَّل: هو الاسم الموصول الأوَّل، والثَّاني المعطوف عليه، وهو: (مَا).

المحمول الأوَّل: الحُكم المُثبَت؛ وهو فِعل التسبيح (يُسبِّح لله).

فالقضية هي: ما في السماوات وما في الأرض مُسَبِّحٌ لله؛ فنِسبة التسبيح ثابتةٌ لِما في السماوات وما في الأرض.

ثُمَّ إنَّ النُعوتَ الكريمة؛ المَلك، والقدُّوس، والعَزيز، والحكيم مِن جهة تحليل القضيَّة محمولات، فنقول: اللهُ ملكٌ. الله قُدُّوسٌ. الله عزيزٌ. الله حكيمٌ.

الموضوع الثَّاني: الضمير المنفصل المبتدأ (هوَ).

المحمول الثَّاني: الاسم الموصول وصلته الواقعة خبرًا للمبتدأ (الَّذي بعثَ).

فالقضية هي: الله (عزَّ وجلَّ) باعِثُ الرسولَ (صلَّى الله عليه وآله) في الأميين.

وفي هذه الآيات أيضًا قضايا متداخلة يحدِّد جهةَ البحث وغاياتِه مدى الحاجة إلى الوقوف عليها، وإنَّما المقصود هنا التنبيه إلى أنَّ استخراج القضايا من النصوص المسترسلة ليس بسهولة الأمثلة التي تُساق عادةً لتوضيح معنى القضيَّة وحدودها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى نرى أنَّ في هاتين الآيتين الكريمتين إخبارًا من الله (عزَّ وجلَّ) عن قضايا، فنحن كمسلمين مؤمنين، إن شاء الله تعالى، نُصدِّق عن يقين بصحَّتها وصحَّة كلِّ القضايا التي يشتمل عليها الكتاب العزيز، وإنَّما تقع الأخطاء، وتبدأ الانحرافات، من نقطة التشخيص الخاطئ للموضوعات.

مثال: رغم تصديقنا اليقيني بالقضايا المثبتة في الكتاب العزيز، فإنَّ الخطأ قد يرد في تحديد مفاهيمها وتشخيصها الخارجي؛ فإذا لم نأخذ من الثقلين المعنى الدقيق لتسبيح ما في السماوات وما في الأرض، واجتهدنا في تحديده من عند أنفسنا، فقد نقع في الخلل في فهمنا لقضيَّةٍ من الدين. ونفس هذا المحذور يرد أيضًا إذا لم نقف على المشمول لـ(ما).

مَحَلُّ الإشكَال في مسألة التشخيص

قد يكون الباحث متضلِّعًا في الاستدلال، بارعًا في استخراج القضايا وفهم الموضوعات والأحكام وتمييزها على وجهٍ علميٍّ رفيع، غير أنَّ ذلك لا يلازم صحَّة التشخيص الخارجي والتطبيق العملي؛ إذ إنَّ الحكم على موضوعٍ خارجي بكونه مصداقًا لما ورد في النص المعصوم يستدعي فهمه، وفهم حيثيَّاته الواقعيَّة، على نحوٍ يثبت به الحكم له. وقد يكون الجهل بحيثيَّةٍ واحدةٍ سببًا في إضلال الباحث عن جادَّة الصواب.

التحذير من كُرسيِّ القضاء

في الرواية عن إسحاق بن عمَّار، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: “قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِشُرَيْحٍ[1]: يَا شُرَيْحُ؛ قَدْ جَلَسْتَ مَجْلِسًا لَا يَجْلِسُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، أَوْ شَقِيٌّ“، عن سُليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: “اتَّقُوا الْحُكُومَةَ؛ فَإِنَّ الْحُكُومَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ بِالْقَضَاءِ، الْعَادِلِ فِي الْمُسْلِمِينَ، كَنَبِيٍّ، أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ“.

ولكن؛ في رواية عمر بن حنظلة قال الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) في صفة القاضي أن يكون مِمَّن “قَدْ رَوى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا“، ثُمَّ أمر بأنْ يُرضى به حَكَمًا، وقال: “فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّهِ وَعَلَيْنَا رَدَّ، وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ“.

فالأصلُ إذن قصرُ القضاء على المعصوم (عليه السَّلام)، وعند فقده أو عدم إمكان الوصول إليه لسببٍ من الأسباب الموضوعيَّة الصحيحة، يُصار حينها إلى راوي حديثهم ممَّن نظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وهذه كلُّها من جهة كونه راويًا لحديثهم. ثم إنَّه (عليه السَّلام) ضَبَطَ علم هذا الراوي، الذي جعله حكمًا في قضايا النزاعات، بقوله: “وَإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ؛ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ، وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلى رَسُولِهِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ“، وبالتالي فحكمه مردودٌ عليه إذا أخذ بالشبهة.

فاتَّضح أنَّ لرواية الحديث، والنظر في حلالهم وحرامهم، ومعرفة أحكامهم (عليهم السَّلام)، أثرًا مفترضًا في تقوى الحاكم وورعه وحكمته، بجعلٍ من الإمام المعصوم (عليه السَّلام). والجوهر في سلوكه القضائي ألَّا يتَّبع غير البيِّن، وهو الخالي تمامًا من الشبهة؛ ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بالابتعاد الواقعي عن كلِّ تشخيص لا يستند إلى بيِّنةٍ شرعيَّةٍ صريحة، وإلَّا كان وقوعًا في الشبهة.

قانون عام

يشتدُّ لزوم سلوك جادَّة الأمور البيِّنة، والابتعاد التام عن أدنى شبهة، في مورد القضاء، لكنَّ هذا المعنى لا يختصُّ به، بل يعمُّ سائر موارد التشخيص والحكم في حياة الإنسان. وقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أنَّه قال: “لَوْ سَكَتَ الْجَاهِلُ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ“. وقد اتَّضح ممَّا تقدَّم أنَّ ظهور العلم والجهل إنَّما يكون في معتمد الحمل ومستنده، ولا سيَّما في القضايا الخطيرة.

فلنضرب مثلًا ثُمَّ نتوسَّعُ في الحديث عن مسألة التشخيص الموضوعي.

عندما يدَّعي زَيْدٌ أنَّه طبيب حاصِل على شهادة جامعيَّة، ويُبرِزها مَختُومَةً ومُصدَّقةً من الجامعة ومن بعض الجهات الرسميَّة ذات العِلاقة، فهناك من يُصدِّقُ مُستنِدًا على الشَّهادة الَّتي أبرزها، وبالتالي يكون عنده: زيدٌ الطَّبيب.

وهناك مِن يضمُّ إلى الشَّهادة مراقبته الشَّخصيَّة لسلوكه، فيطمئن إذا كان سَمْتُهُ مُوافِقًا لِسَمْتِ الأطبَّاء، ويشكُّ في أمره ما لم يكن كذلك.

وهناك من يراجع الجامعة ليقف على صحَّة الشِّهادة، لا سيَّما مع ارتفاع حوادث التزوير الَّتي نسمع عنها بين الفينة والأخرى.

وهناك مَن لا يكتفي بمراجعة الجامعة، بل يعمد إلى مراقبة زيدٍ في عمله، ولا يوكل له حالات طبيَّة جادَّة إلى أن يتأكَّد بنفسه ومن خلال مراقبين مختصين وعارفين مِن أنَّه طبيب جيِّد وأنَّه مُستحِقٌّ للشَّهادة الَّتي يحملها.

نلاحظ أنَّ الأربعة جميعًا يبحثون عن المستند الذي يصحِّح حملهم الطبَّ على مُدَّعيه، وهو زيد، وإنَّما يكمن الفرق بينهم في مقدار التثبُّت الذي يطلبه كلٌّ منهم طلبًا للدقَّة في التشخيص.

وقد نجد من يرفض تصحيح الحمل بسبب هيئة زيد، مثلًا، إذا كان هندامه بسيطًا ويشبه ما يلبسه أهل المجتمعات الفقيرة أو البسيطة أو النائية عن التمدُّن.

ونرى بوضوح أنَّ الرابع منهم أوعى بمسؤوليَّة الحمل، وأحذر من الاستعجال؛ إذ لا يكتفي بما بين يديه من مستندات حتى يبلغ أرفع درجات الإحكام الممكنة. وقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أنَّه قال: “مَقْتَلُ الرَّجُلِ بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَالرَّأْيُ مَعَ الْأَنَاةِ، وَبِئْسَ الظَّهِيرُ الرَّأْيُ الْفَطِيرُ“؛ والرأي الفطير هو ما كان من غير رويَّة، وهو خلاف الخمير.

المفاهيم والشروط والقيود

تتعمَّق مشكلة التشخيص الموضوعي حين لا يكون مفهوم أحد طرفَي القضيَّة صحيحًا عند من هو بصدد إثبات الحمل أو نفيه، مع جهله بكونه جاهلًا، بل مع قطعه بصحَّة ما عليه من فهم. ولنأتِ بمثالٍ من بعيد يوضِّح سعة هذه المسألة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعيَّة، وعدم اقتصارها على مجالٍ دون آخر.

ظهر مُصطلح (بروليتاريا) في القرن التَّاسع عشر في (بيان الحزب الشِّيوعي) لكلٍّ مِن كارل ماركس وفريدريك أنجلز، فما هو المراد من هذا المصطلح؟

قال بعضٌ بأنَّ البروليتاريا هي الطبقة التي لا تملك وسائل الإنتاج، وتعيش من إجارة أو بيع مجهودها العضلي أو الذهني. وقد انصرف الفهم، بشكلٍ عام، إلى انحصار هذه الطبقة في العُمَّال.

وقال بعضٌ آخر بأنَّها مطلق الطبقات المقابلة للطبقة البرجوازية، وهي تلك الطبقة المالكة لرؤوس الأموال والوظائف والحرف، والمالكة لوسائل الإنتاج.

وقال آخرون بأنَّ البرجوازي قد يكون برجوازيًّا من جهة، وبروليتاريا من جهة أخرى، وهذا القول يقع في قبال من (يشترط)، و(يُقيِّد) البرجوازيَّة بعدم الخضوع لمطلق الآخر، مع كون يد صاحبها هي اليد العليا دائمًا.

وهناك من قال بوجود طبقات بين الطبقتين..

إنَّ هذا التفاوت في وضوح مفهومي (البروليتاريا) و(البرجوازيَّة)، والتردُّد في الشروط والقيود، يفضي إلى اختلافٍ في تشخيص الموضوع الخارجي؛ فقد تُرى الطبقة الواحدة برجوازيَّةً عند فهم، وبروليتاريا عند فهم آخر، أو برجوازيَّةً من حيثيَّة، وبروليتاريا من حيثيَّةٍ أخرى. وليس بخافٍ ما يترتَّب على كلِّ تشخيص من تبعاتٍ ولوازم؛ ومنها، مثلًا، ما لو قيل بمنح طبقة البروليتاريا مساعداتٍ ماليَّة، فمَن يُعدُّ عند بعضهم برجوازيًّا قد يكون مستحقًّا لهذه المساعدات عند من يراه بروليتاريًّا.

المسألةُ في قانون الكِتاب والعِترة

لا شكَّ في حرص الإسلام على تنحية المؤمنين عن مهالك الشبهات، وعن تحمُّل مسؤوليَّة التشخيصات المحتملة للخطأ بسبب تشوُّش المفهوم، أو عدم الإحاطة بحيثيَّات الموضوع، أو غير ذلك ممَّا له دخلٌ في التشخيص وأثرٌ فيه. ولذلك أمر الأئمَّة (عليهم السَّلام) بعدم الحكم بغير الواضح البيِّن، ولا على غير الواضح البيِّن؛ وهذا الوضوح لا يُحكم به إلَّا بعد أناةٍ وتثبُّتٍ، مع البعد التام عن كلِّ ما يمكن أن يؤثِّر في التشخيص والحكم.

وفي هذا الصدد تطرحُ المقالةُ أمرين رئيسيين.

أحدهما: أصالة السكوت والصمت، وهذا إنَّما يُفهم على وجهه الصحيح بفهم موارد صدق الجهل؛ فلو كان المرء عالمًا فاهِمًا، بل أستاذًا تخرَّج من تحت يديه مئات الطلبة الحاذقين، ثم جهل حيثيَّةً مؤثِّرةً في التشخيص، أو جهل قيدًا، أو اشتبه عليه شرط، فهو في هذا الموضع جاهل، ويجب عليه الصمت؛ وإلَّا كان سببًا في اختلاف الناس وإثارة الفتن والنزاعات.

لِذا؛ فما لم يكن المُتصدِّي للتشخيص مُتثبِّتًا ومتيقنًّا مِن إحاطته التامَّة بحيثيات الموضوع والقيود والشروط الواردة على المفهوم، فإنَّه يلتزم الصمت دون تردُّد.

أمَّا الآخر: فعدم إيجاب الطاعة المطلقة لغير جهة العِصمة، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وعن أبي حمزة الثُّمالي، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السَّلام): “إِيَّاكَ والرِّئَاسَةَ، وإِيَّاكَ أَنْ تَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ. قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ؛ أَمَّا الرِّئَاسَةُ فَقَدْ عَرَفْتُهَا، وأَمَّا أَنْ أَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ فَمَا ثُلُثَا مَا فِي يَدِي إِلَّا مِمَّا وَطِئْتُ أَعْقَابَ الرِّجَالِ! فَقَالَ لِي: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ؛ إِيَّاكَ أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَه فِي كُلِّ مَا قَالَ“.

فالمرجع، إذن، هو الإمام المعصوم (عليه السَّلام)، ومع عدم إمكان التثبُّت والتيقُّن من الفهم والإحاطة، ومع عدم الوصول إليه لغيبةٍ أو غيابٍ أو بُعد شقَّة، يكون التكليف هو عدم الاقتحام، إلى أن يكتب الله تعالى الفرج.

مُشكلة النَّفس وأهوائها

إنَّ من أعظم جهاد النفس إمساكَ اللسان وكفَّه عن التحدُّث بكلِّ ما يعلم صاحبُه، فضلًا عمَّا لا يعلم. وقد رُوي عنهم (عليهم السَّلام): “مَا كُلُّ مَا يُعْلَمُ يُقَالُ، وَلَا كُلُّ مَا يُقَالُ حَانَ وَقْتُهُ، وَلَا كُلُّ مَا حَانَ وَقْتُهُ حَضَرَ أَهْلُهُ“. وفي تحذيرٍ شديدٍ للإمام الرضا (عليه السَّلام) في حديثه مع إبراهيم بن أبي محمود، قال: “يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ، إِذَا أَخَذَ النَّاسُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَالْزَمْ طَرِيقَتَنَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنَا لَزِمْنَاهُ، وَمَنْ فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ. إِنَّ أَدْنَى مَا يَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَقُولَ لِلْحَصَاةِ: هَذِهِ نَوَاةٌ، ثُمَّ يَدِينَ بِذَلِكَ، وَيَبْرَأَ مِمَّنْ خَالَفَهُ“. غير أنَّ شهوات النفس تسوق الإنسان إلى الخوض مع الخائضين، والتزيِّي بلباس العارف بزمانه، القادر على قراءة الواقع وتحليله وتحديد المواقف، مع أنَّ كثيرًا من ذلك خبطٌ في طرقٍ ليست إلَّا مصائدَ لحساب مشاريع الضلال ومهاوي الانحراف. وتمتاز هذه المسالك دائمًا بإيهام الناس، وإدخالهم في أسر المواقف، وتجريم المتخلِّف عنها؛ وبالفعل، طالما أمسى الحصى نوىً، ودين بذلك، فلا يجرؤ ناطقٌ على تخطئتهم أو مخالفتهم، بل ولا على مناقشتهم.

ولهذه القضيَّة خلفيَّاتٌ موضوعيَّة يضيق عنها سياق هذا المقال؛ ولكلِّ مقامٍ مقال. والمقام هنا ليس مقام بسطها، لذا يحسن الاكتفاء بالتنبيه على خطورة النفس وشهواتها في سوق صاحبها نحو التشخيصات الموضوعيَّة، ثم تركيب الأحكام في نسقٍ استدلاليٍّ ملؤه الأغلاط. ولو رُوِّضت النفس على الصمت، والنأي عن الملتبسات، وقصرها على بيِّن الرشد وبيِّن الغي، لانحسرت الخلافات، وتلاشت النزاعات، وضعفت الصراعات بين المؤمنين.

الحضور الجوهري للدين في كلِّ زوايا ومفاصل الحياة

لا تخرجُ الأمور في هذه الدنيا عن كونها مقبولة أو غير مقبولة لله (عزَّ وجلَّ)، والمقبول إمَّا أن يكون مباحًا أو طاعةً، وغير المقبول مبغوض له (جلَّ في عُلاه).

فلو أراد مُؤمِنٌ حضور مباراة في إحدى الرياضات المعروفة اليوم، فلا بدَّ له أوَّلًا من الوقوف على محلِّها من قبول أو عدم قبول الله (سبحانه وتعالى)، وهكذا لو أراد الدخول في مناقشة مع مسلم أو غير مسلم، أو مؤمن أو غير مؤمن.. وقِس على ذلك؛ فالإنسان في هذه الدنيا مُكلَّفٌ بسلوك طريق الهداية الواضح والمُبيَّن في الكتاب العزيز وأحاديث العِترة الطاهرة، وقد قال الله (تبارك ذكره): ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

وفي هذا المعنى ترد الرواية الشريفة الآتية، والقياس بعد ذلك إلى نظر القارئ الكريم.

عن ثابت بن سعيد، قال: قال أبو عبد الله (عليه السَّلام): “يَا ثَابِتُ مَا لَكُمْ ولِلنَّاسِ؟! كُفُّوا عَنِ النَّاسِ؛ ولَا تَدْعُوا أَحَدًا إِلَى أَمْرِكُمْ؛ فَوَاللَّه لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وأَهْلَ الأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَهْدُوا عَبْدًا يُرِيدُ اللَّه ضَلَالَتَه مَا اسْتَطَاعُوا عَلَى أَنْ يَهْدُوه، ولَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وأَهْلَ الأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْدًا يُرِيدُ اللَّه هِدَايَتَه مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُضِلُّوه. كُفُّوا عَنِ النَّاسِ، ولَا يَقُولُ أَحَدٌ عَمِّي.. وأَخِي.. وابْنُ عَمِّي.. وجَارِي؛ فَإِنَّ اللَّه إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا طَيَّبَ رُوحَه، فَلَا يَسْمَعُ مَعْرُوفًا إِلَّا عَرَفَه، ولَا مُنْكَرًا إِلَّا أَنْكَرَه، ثُمَّ يَقْذِفُ اللَّه فِي قَلْبِه كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَه“.

ولذي عقلٍ أن يتساءل: أفي هذا النص غموضٌ يبرِّر تأويله وصرفه عن دلالاته الواضحة؟ أوليس كلُّ اجتهادٍ من هذا القبيل واقعًا في قبال نصٍّ صريح؟

إنَّ لجوهريَّة الدين في جميع مناحي الحياة أثرًا يفرض الاشتغال بقراءة روايات أهل البيت (عليهم السَّلام)، وسبر أغوارها، والجوس في ديارها طلبًا لنور العلم والبصيرة؛ بما يمكِّن المؤمن من الوقوف عند الشبهات وقوفًا متمحِّضًا في التعبُّد، ما لم يُحرِز، من الروايات الشريفة حصرًا، طبيعة الموضوع وحيثيَّاته المأخوذة في المفهوم. وإلَّا فليس ذلك من البيِّن، ويكون التكليف حينئذٍ هو التوقُّف تعبُّدًا وقربةً إلى الله تعالى.

نسأل الله (عزَّ وجلَّ) أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يثبِّتنا على ولاية محمَّدٍ وآله الطيبين الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

السَّابع من ذي الحجَّة 1447 للهجرة

البحرين المحروسة

…………………………………….

[1] – هو شريح بن الحارث بن قيس الكندي، أبو أميَّة الكوفي، أصله من اليمن، وهو ممَّن أسلَم في حياة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ولي قضاء الكوفة في القرن الهِجري الأوَّل، واستعفى قبل موته بِسَنَةٍ في أيَّام الحجَّاج الثَّقفي فأعفاه.

مقالات مشابهة

اترك تعليق


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.