بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين
في حدود التعبُّد والحذر مِن ابتداع الطرق
مقالة في نصب المآتم الشريفة ليلة الأوَّل من شهر يناير
عقَدَ بعضُ المؤمنين (مجالس حسينيَّة) عند السَّاعة 11:45 من مساء اليوم الواحد والثَّلاثين من شهر ديسمبر الميلادي، وفي حدود هذا التوقيت توجَّهت جماهير غفيرة لزيارة الإمام الحسين (عليه السَّلام) في كربلاء، وذلك لغايتين أساسيتين؛ إحداهما (توديع) سنة ميلاديَّة، و(استقبال) أخرى بذكر الإمام الحسين (عليه السَّلام)، والأخرى مواجهة الانتشار الكبير لشياطين الجن والإنس في أرجاء المعمورة بالكثير من الفساد ومبارزة الله تعالى بألوان المعاصي والذنوب، ففي تلك السَّاعات الَّتي يغرق فيها سوادٌ وسوادٌ وسوادٌ من البشر في معاصي ما أسموه برأس السَّنة الميلاديَّة يشتغل المؤمنون بذكر الإمام الحسين (عليه السَّلام) ونصب مآتمه وزيارة قبره الشَّريف.
لمناقشةِ هذا التوجيه مناقشةً موضوعيَّةً وازنةً يحسُن بِنا التنبيه على أمور.
الأوَّل: ينبغي للمؤمن عبادة الله تعالى بما تعبَّد سبحانه به العِباد، ولذلك نُهينَا عن أي ابتكارٍ يُنسَب إلى الدين، ولا شكَّ في أنَّ الكفايةَ والكمال فيما ورد عنهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، وما دونه فالمؤمن بعيدٌ عنه.
الثَّاني: يشتدُّ حذرُ المؤمن في موارد الإرجاع لعمومات وإطلاقات الأدلَّة؛ فإرجاع فرد إلى دليل عام يعني حمل الحكم عليه، وبالتالي إعطاءه الشَّرعيَّة، وهذا في غاية الخطورة ما لم يكن كل من المفهوم وما يفترض فردًا ومصداقًا له مُحرَّرَين بدقَّة ووضح بِما يُخرِج عن مزالق الشبهات.
الثَّالث: يَحمِلُ الحُكمَ الشرعيَّ مُركَّبُ الفِعلِ كوحدةٍ واحدةٍ، ولا يُعتمدُ الحكم الشرعي لكلِّ جزءٍ من المُركب، فالرقص -مثَلًا- حرامٌ بما هو مركَّب من مجموعة حركات يتحقَّق بمجموعها مفهوم الرقص، ولا يُقال بجوازه لجواز كلِّ حركة مفردة.
الرَّابع: وهذا راجع إلى ثالث الأمور؛ ففي بعض الأجوبة الواردة من المراجع نجد عبارة (جائز في نفسه)، وكلمة (في نفسه) تعني أنَّ الفعل المُعيَّن جائز ما لم يقترن بعنوان مُحرَّم، أو ما أمكن تخليصه من عنوان يقترن به، أمَّا إذا اقترن بعنوان مُحرَّم فالجواب ليس هو الجواب، وكذا لو كان اقترانه بعنوان آخر يُحقِّق بِدعة أو إحداثًا في الدين وإن لم يكن هذا العنوان مُحرَّمًا (في نفسه).
إذا اتَّضحت هذه الأمور الأربعة فنحن بين يدي مُقدمتين:
الأولى: إنَّ للجواب على السؤال التالي دورًا محوريًّا في تفكيك شُبهة واقعة، والسؤال هو:
ما هو المُعتمد (الحقيقي والواقعي) في تحديد بداية سنةٍ ونهاية أخرى؟
الجواب: بالنسبة للسنة الميلادية لا وجود على الإطلاق لأمر (حقيقي وواقعي) تتحدَّد به نهاية سنةٍ وبداية أخرى، ولتوضيح ذلك؛ قلنا:
يمكن تحديد الفرق بين أشهر (مارس، وأبريل، ومايو) و(يونيو، ويوليو، وأغسطس) بانتهاء فصل الربيع ودخول فصل الصيف؛ إذ أنَّ لبداية الفصل (حقيقة وواقع)، وكذا لنهايته.
ويمكن تحديد نهاية يوم وبداية آخر بغروب وشروق الشَّمس، وهو أمر (حقيقي وواقعي).
أمَّا نهاية سنة (ميلاديَّة) وبداية أخرى فأمر متمحض في (الاعتبار) ولا (حقيقة) له على الإطلاق، ولذلك فإنَّ الواحد والثَّلاثين من ديسمبر، والواحد من يناير يومان لا فرق بينهما غير الفرق بين أي يوم وآخر، ولا أثر على الإطلاق لو غيروا بداية السَّنة الميلادية إلى أي يوم من أيام السَّنة.
مسألة (التنجيم): يقرأ المُنجِّمون السَّنة الميلادية من جهة وقوعها في دورة فلكيَّة معيَّنة، ولو غُيِّرت نهاية وبداية السَّنة الميلاديَّة إلى أي تاريخين آخرين فإنَّهم سوف يقرأون هذا المُحدَّد الجديد من جهة دورة الفلك الَّتي يقعُ فيها. فلا شيء بين الواحد والثَّلاثين من ديسمبر، والواحد من يناير غير محض الاعتبار.
النتيجة: لا معنى على الإطلاق لمثل قولهم: (نستقبل) سنتنا الجديدة بكذا وكذا.. وما شابه من عبارات و(أدعية)!
أمَّا نهاية السَّنة وبدايتها (حقيقةً وواقعًا) فهي ليلة القدر؛ لأنَّ الله تعالى يُقدِّر فيها مصائر العِباد لمثلها من قابل، وقد روى الشَّيخ الكليني بسنده عن رفاعة بن موسى النخَّاس، عن أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السَّلام)، قال: “لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ هِيَ أَوَّلُ اَلسَّنَةِ، وَهِيَ آخِرُهَا“؛ والوجه في ذلك أمر (حقيقيُّ واقعيُّ)، وهو قوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ)، وقوله سبحانه (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).
الثَّانية: يستشعر المؤمِنُ الخوف من وقوع العذاب عند انتشار الفساد وتفشي المعاصي ومجاهرة أهلها بمبارزة الله جلَّ في عُلاه، وهذا ما يقع فعلًا في ليلة ما أسموه برأس السنة الميلادية، ويحسن به عند ذاك الإكثار من الصلاة والدعاء، وقد روى الشَّيخ الصدوق بسنده عن أبي بصير ومحمَّد بن مسلم، عن أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السَّلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في حديث الأربعمئة، قال: “اِدْفَعُوا أَمْوَاجَ اَلْبَلاَءِ عَنْكُمْ بِالدُّعَاءِ قَبْلَ وُرُودِ اَلْبَلاَءِ، فَوَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَبَرَأَ اَلنَّسَمَةَ لَلْبَلاَءُ أَسْرَعُ إِلَى اَلْمُؤْمِنِ مِنِ اِنْحِدَارِ اَلسَّيْلِ مِنْ أَعْلَى اَلتُّلْعَةِ إِلَى أَسْفَلِهَا، وَمِنْ رَكْضِ اَلْبَرَاذِينِ.. سَلُوا اَللَّهَ اَلْعَافِيَةَ مِنْ جَهْدِ اَلْبَلاَءِ؛ فَإِنَّ جَهْدَ اَلْبَلاَءِ ذَهَابُ اَلدِّينِ. اَلسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ فَاتَّعَظَ“.
كما ومِن سعادة المرء في دار البقاء توفيق الله تعالى له بذكر الإمام الحسين (عليه السَّلام) والجزع عليه، ولو أنَّ ذلك يتكرَّر منه في كلِّ ساعة من ساعات اليوم لما زاده تكرُّرُ جزعِهِ وبكائِهِ إلَّا حُسنًا يراه في آخرته خيرًا كثيرًا، ودونك ما تواتر عنهم (عليهم السَّلام) في عظيم فضل البكاء على مصائبهم (عليهم السَّلام)، وعلى وجه الخصوص مصائب الإمام الحُسين (عليه السَّلام)، وهذا لا خلاف فيه على الإطلاق، بل الخلاف فيه قد يؤدي إلى ابتداع طريقة جديدة في الدين؛ كيف لا؛ والمحافظة على إحياء مصائبهم (عليهم السَّلام) عمقٌ أصيل من أعماق الدين الحنيف، وهو ما نطقت به النصوص الشَّريفة بصراحة ووضوح.
إنَّما الأمر الَّذي نُنبِّه عليه في هذه المقالة هو الإحداث بِقَرنِ نصب المأتم على الإمام الحسين (عليه السَّلام) بتاريخ ووقت مُعيَّنين، وهنا تحديدًا محلُّ الإشكال.
فلنلاحظ جيِّدًا..
إنَّ البكاء على مصائبهم (عليهم السَّلام) سُنَّةٌ بِلا خلاف، فقد روى الشَّيخ الصدوق بسنده عن الحسن بن علي بن فضَّال التميمي، عن الإمام علي بن موسى الرِّضا (عليه السَّلام)، قال: “مَنْ تَذَكَّرَ مُصَابَنَا، وَبَكَى لِمَا اُرْتُكِبَ مِنَّا، كَانَ مَعَنَا فِي دَرَجَتِنَا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، وَمَنْ ذُكِّرَ بِمُصَابِنَا فَبَكَى وَأَبْكَى، لَمْ تَبْكِ عَيْنُهُ يَوْمَ تَبْكِي اَلْعُيُونُ، وَمَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يُحْيَا فِيهِ أَمْرُنَا، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ اَلْقُلُوبُ“.
وإنَّ قرن إحياء أمر الإمام الحسين (عليه السَّلام) في العشرة الأولى من شهر المحرَّم سُنَّةٌ بلا خلاف، وقد روى الشَّيخ الصدوق بسنده عن إبراهيم ابن أبي محمود الخراساني، قال: قال الرِّضا (عليه السَّلام): “إِنَّ اَلْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ اَلْقِتَالَ فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا، وَهُتِكَ فِيهِ حُرْمَتُنَا، وَسُبِيَ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَنِسَاؤُنَا، وَأُضْرِمَتِ اَلنِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا وَاُنْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثَقَلِنَا، وَلَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اَللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا.. إِنَّ يَوْمَ اَلْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا، وَأَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَأَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلاَءٍ، وَأَوْرَثَتْنَا اَلْكَرْبَ وَاَلْبَلاَءَ إِلَى يَوْمِ اَلاِنْقِضَاءِ، فَعَلَى مِثْلِ اَلْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ اَلْبَاكُونَ؛ فَإِنَّ اَلْبُكَاءَ يَحُطُّ اَلذُّنُوبَ اَلْعِظَامَ. ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): كَانَ أَبِي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِذَا دَخَلَ شَهْرُ اَلْمُحَرَّمِ لاَ يُرَى ضَاحِكًا وَكَانَتِ اَلْكِئَابَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ اَلْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ، وَحُزْنِهِ، وَ بُكَائِهِ؛ وَيَقُولُ: هُوَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي قُتِلَ فِيهِ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)“.
فالمشكلة إذن إنَّما هي في قرن إحياء أمره (عليه السَّلام) في ليلة مُعيَّنة، عند ساعة مُعيَّنة منها، ووجه الإشكال هو ابتكار طريقة لا يمكن نسبتها إلى المعصوم (عليه السَّلام)؛ فمن جهة لا حقيقة ولا وقع لانتهاء سنة وابتداء أخرى، وليس هو إلَّا اعتبار محض، ومن جهة أخرى فإنَّنا لا نجد نصًّا عامًّا بـ(الاجتماع) ونصب المأتم على سيِّد الشُّهداء (عليه السَّلام) في قبال نصب العُصاة واهل الذنوب لنواديهم.
ينبغي للمؤمن أن يعيش فِعلًا ما رُويَ عن يحيى بن زكريا الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ اَلْإِيمَانَ كُلَّهُ فَلْيَقُلِ: اَلْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ اَلْأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا وَمَا أَعْلَنُوا، وَفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وَفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي“، والمؤمن العاقل الحصيف من يجاهد نفسه ويوطنها بحزم لا تساهل فيه على ما ورد عنهم (عليهم السَّلام) ومنعها منعًا صارمًا عن كلِّ ابتكار وإن بدا حسَنًا ومهما خفق خلفه ما خفق.
وأسأله جلَّ في علاه أن يثيب كافَّة المؤمنين على حُسن نواياهم ويجنبهم الحيد عن جادَّة السَّادة الميامين ولو بمقدار أنملة.
والحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطاهرين.
السَّيد محمَّد السَّيد علي العلوي
11 رجب 1447 للهجرة
البحرين المحروسة

