وَقفَةٌ مَعَ العَلَمَين في مَسْأَلَةِ (لُبسِ السَّوَادِ) على الأيمَّةِ وَالحُسَين (عَلَيهِمُ السَّلَام)

بواسطة Admin
0 تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.

وَقفَةٌ مَعَ العَلَمَين في مَسْأَلَةِ (لُبسِ السَّوَادِ) على الأيمَّةِ وَالحُسَين (عَلَيهِمُ السَّلَام)

كتبتُ قبل خمس سنوات، مقالةً بعنوان (طلب الاقتصاد في فهم أدلة لُبس السَّواد)[1] بحثتُ فيها مسألةَ لُبس السَّواد، وبالرغم من انتهاء البحث حينها إلى إثبات المبغوضية والمنع من أن يُتَّخَذَ لِباسًا، وليس ألَّا يُلبَس مُطلقًا، غير أنَّه اليوم، مُستقِرٌّ على المنع مِن لُبسِه مُطلقًا ما لم تفرضه التقيَّة؛ فقد أعدتُ قراءة الروايات الشريفة بعد تساؤلات شغلت بالي حول استثناء العَلَمَين العُصْفُورِيين الشَّيخ يوسُف وابن أخيه الشَّيخ حسين (رحمهما الله تعالى) لُبس السَّواد في مأتم الحسين وسائر مصائبهم (عليهم السَّلام) من عموم أدلة المنع بعد إثباتهم له.

إنَّها تساؤلات كوَّنها استغرابي مِن رفع الشَّيخين (رحمهما الله) اليد عن العموم المُثبَتِ بالنَّصِّ لصالح أدلَّة لا لسان لها؛ أي غير نصِّيَّة، وتكتنفها احتمالات دلاليَّة متخالفة، وهذا مخالِفٌ لمسلك المُحدِّثين الَّذي يرتكز على النُّصوص الصريحة والإعراض عمَّا لا نصَّ فيه. ومن هنا عاودتُ مراجعة الروايات الواردة عن السَّادة الأطهار (عليهم السَّلام)، وفي نهاية المطاف قاد صريحُ لِسانِها البحثَ إلى عدم صحَّة الاستثناء المزبور. ولك البيان..

ما أفاده العلمان (رحمهما الله تعالى):

استعرض الشَّيخ يوسف العصفور (رحمه الله تعالى) بعض الروايات الشَّريفة الواردة في مبغوضية لُبس السَّواد عدا العمامة والخف والكساء، ثُمَّ قال:

لا يَبْعُدُ استِثْنَاءُ لُبْسِ السَّوَادِ في مَأتَمِ الحُسَينِ (عَلَيْهِ السَّلام) مِنْ هَذِه الأخبار؛ لِمَا استفاضتْ به الأخبارُ مِن الأمر بإظهار شَعَائر الأحزان، ويؤيده ما رواه شيخنا المجلسي (قُدِّسَ سِرُّهُ) عن البرقي في كتاب المحاسن، أنَّه رَوى عَن عُمَر بن زين العابدين (عليه السَّلام)، أنَّه قال: لمَّا قُتِلَ جَدِّي الحُسَينُ المَظْلُومُ الشَّهيدُ لَبَسَ نِسَاءُ بني هاشم في مأتَمِه ثِيابَ السَّوَادِ وَلم يُغَيرنَهَا في حرٍّ أو برْدٍ، وكان الإمامُ زينُ العابدين (عليه السَّلام) يَصنع لَهُنَّ الطَّعَامَ في المَأتَم[2].

ومثله ابنُ أخيه علَّامة البحرين الشَّيخ حسين (رحمه الله تعالى)؛ إذ قال بعد إثباته المنع من لُبس السَّواد:

وينبغي أن يُستثنى من ذلك أيام عاشورا، بل سائر الأيام في الحداد عليهم (عليهم السَّلام) لما رواه البرقي في المحاسن بإسناده عن عمر بن زين العابدين قال (راويًا عن كتاب المحاسن بالعربية): لما قتل الحسين عليه السلام لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح وكان لا يشكين من حر ولا برد وكان علي بن الحسين عليه السلام يعمل لهنَّ الطعام في المأتم[3].

ثُمَّ قال (رحمه الله): “وعلى هذا الشعار وقع إجماع العلماء على ممرِّ الأعصار، بل جعلوه من أعظم العبادات وما يُتَقرَّبُ به إلى الله[4].

لم يتجاوز التأمُّل استثناء الشَّيخين لُبس السَّواد أيَّام عاشوراء من الأخبار الدَّالة على كونه مذمومًا ومبغوضًا لله جلَّ في عُلاه؛ فلسان تلكم الأخبار يُظهِر موضوعَ بيانه عصيًّا على الاستثناء منه.

فقد روى الشَّيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن حذيفة بن منصور، قال: “كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ بِالْحِيرَةِ فَأَتَاهُ رَسُولُ أَبِي اَلْعَبَّاسِ اَلْخَلِيفَةِ يَدْعُوهُ، فَدَعَا بِمِمْطَرَةٍ لَهُ أَحَدُ وَجْهَيْهِ أَسْوَدُ وَاَلْآخَرُ أَبْيَضُ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَمَا إِنِّي أَلْبَسُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ اَلنَّارِ[5].

وروى الشَّيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن محسن بن أحمد القيسي، مُرسِلًا عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: ” قُلْتُ لَهُ: أُصَلِّي فِي اَلْقَلَنْسُوَةِ اَلسَّوْدَاءِ؟ فَقَالَ: لاَ تُصَلِّ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا لِبَاسُ أَهْلِ اَلنَّارِ[6].

وقال أمير المؤمنين (عليه السَّلام) فيمَا علَّم أصحابه: “لاَ تَلْبَسُوا اَلسَّوَادَ؛ فَإِنَّهُ لِبَاسُ فِرْعَوْنَ[7].

وروى الشَّيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن إسماعيل بن مسلم، عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أنَّه قال: “أَوْحَى اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ لاَ يَلْبَسُوا لِبَاسَ أَعْدَائِي، وَلاَ يَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، وَلاَ يَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَعْدَائِي؛ فَيَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي[8].

والسَّواد لباس فرعون ولباس أهل النَّار، فهو لباس أعداء الله جلَّ في علاه.

أساس البناء الفقهي للمسألة:

بعد هذا البيان الواضح مِن المعصوم (عليه السَّلام) صرَّح تصريحًا واضحًا أيضًا باستثناء ثلاثة أشياء من عموم المنع. روى الكليني عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن بعض أصحابه رفعه، قال: “كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَكْرَهُ اَلسَّوَادَ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ؛ اَلْخُفِّ، وَاَلْعِمَامَةِ، وَاَلْكِسَاءِ[9].

إنَّ وضوح العموم في المنع من لُبس السَّواد، وعدم وقوفنا على نصٍّ يستثني لُبسه في موارد مِثل مصائبهم (عليهم السَّلام) مع إمكان بيان الاستثناء وعدم وجود المانع، بحسب فهمنا للمسألة، فإنَّ هذا مُبَعدٌ لاحتمال الاستثناء، أو على أقل التقديرات مُضعِّف له.

وبعبارة سهلة: لِماذا لم يصرِّح المعصوم (عليه السَّلام) باستثناء موارد مصائبهم (عليهم السَّلام) مِن عموم المنع من لُبس السَّواد؟ والحال أنَّه لا يظهر لنا وجود ما يمنع التَّصريح به. وبناءً عليه يبعُد فرض احتمال الاستثناء، ونبقى متمسكين بالنصِّ الصريح.

المُتحصل:

أوَّلًا: أطلَقَ المعصومُ (عليه السَّلام) المَنع من لُبس السَّواد في نصوصٍ صَريحةٍ مع نسبته إلى عموم أهل النَّار، وأعدائه، وفرعون الَّذي هو من أهل النَّار ومِن أعدائه[10]، ولم نقف على نَصٍّ صريحٍ يستثني موارد ذِكرَى مصائبهم (عليهم السَّلام) من عموم المنع، مع كثرة ما ورد فيها من بيانات واضحة تُعلِّمُنا الإحياء وكيفيته كما يريدون ويحبون (عليهم السَّلام). ومِن ذلك ما جاء في قول الشِّعر وإنشاده بِمَا يُبكي ويثير الأشجان، ومِنه الندب إلى الجزع ومن مظاهره الاستعبار والامتناع من الطعام حتَّى يستبين في وجه الجازع، وإظهار الكآبة، وتجنب الضحك. بل وورد عنهم ما ينبغي لصاحب الجنازة مِن أن لا يلبس رداءً وأن يكون في قميص حتَّى يُعرَف..

جاءت في ذلك بيانات نصيَّة واضحة، ولم يرد نصٌّ يندب إلى لُبس السَّواد في ذكرى مصائبهم (عليهم السَّلام) فضلًا عن غيرها من المصائب، بل الوارد هو النهي والمنع عنه ونسبته إلى أهل النَّار، وأعداء الله، وفرعون!

ثانيًا: جاء المنعُ من لُبس السَّواد عَارِضًا على عُرفِ لُبسِه في المصائب، فلُبسُ السَّواد كان معروفًا بين النَّاس في موارد المصائب والأحزان، فالمقام والحال هذه يفتقر إلى نصٍّ يفيد الإبقاء على هذا العُرف، وإلَّا فَنَصُّ المنع أقوى مِن العُرف المُجرَّد عن تأييد شرعي، وهذا التأييد مطلوبٌ بنصٍّ صريح يُعارِض العموم فيُخصِّصه.

نعم، لو لم ترد نصوص المنع لقلنا بإمضاء الشَّارع للعُرف، ولكنَّها وردت واضحة صريحة، ولها الحكم ولا تُرفع اليد عنها إلَّا بنصِّ مُعارض صريح يقابلها.

ثالثًا: يقع الأسود كلباسٍ خيارًا لأعداء الله، ولأهل النَّار إن كان المقصود مَن يؤول أمرهم إلى النَّار، أمَّا إذا كان المراد أنَّه لِباسٌ لِمن يُعذَّبون في النَّار فيكون مِن أدوات العذاب، أي أنَّ الله تعالى قد اختاره لهم في النَّار، وعلى كلا التقديرين فالمبغوضيَّة ملازمة له والذمُّ لا يفارقه.

إنَّ لهذه الأمور قوَّة الصَّرف للأدلة المُعَارِضة عن ظواهرها، ما لم تكن تلك الأدلة نصوصًا في نفس قوَّة النُّصوص المانعة. فإمَّا أن نقف على المُنصَرف إليه، وإلَّا فالتوقُّف والإرجاء إلى أن يفتح الله علينا، أو إلى حين ظهوره المبارك (صلوات الله وسلامه عليه).

أمَّا القول بأنَّ المنع من لُبس السَّواد إنَّما هو لكونه لباسًا لأعداء الله في حقبة زمنيَّة مُعيَّنة، وبانقضائهم وذهاب دولتهم لا يبقى سببًا للمنع، فحتَّى مع التسليم بصحته كاحتمال إلَّا أنَّه يبقى احتمالًا لا يحظى بمؤيّدٍ يرقى لمعارضة النصوص الصريحة في المنع مُطلقًا.

ما استَدَلَّ به العلَمان (رحمهما الله) على الاستثناء:

اعتمده العصفوريان (رحمهما الله) رواية عُمر ابن الإمام زين العابدين (عليه السَّلام)، وفيها يظهر تكرُّر لُبس الهاشميات للمسوح والسَّواد في سنوات متعاقبة؛ لقوله: “وَكُنَّ لاَ يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَلاَ بَرْدٍ“، ووجه الاستدلال هو (تقرير الإمام) وإمضائه للبسهنَّ السَّواد في مأتم أبي عبد الحسين (عليه السَّلام) ما عُدَّ دليلًا على الاستثناء في مأتم الإمام الحسين (عليه السَّلام) من عموم المنع منه.

وهنا أمور:

الأوَّل: لا يُفاد من الرواية أكثر من السكوت عن فِعلٍ تعارف عليه النَّاس، أمَّا الإمضاء الشرعي فلا قوَّة في ظهوره بحيثُ يرقى لمعارضة عموم المنع، والسكوت بداعي الإمضاء الشرعي أعم من السكوت.

الثَّاني: إن قلنا بكون سكوته (عليه السَّلام) تقريرًا وإمضاءً شرعيًّا فهو لا يفيد الندب إلى لُبس السَّواد في مآتمهم (عليهم السَّلام)؛ إذا أنَّ الندب يفتقر إلى نصٍّ أو فِعلٍ يدلُّ عليه، أمَّا مجرَّد السكوت فغايته السَّماح وعدم المؤاخذة.

الثَّالث: إنَّ قولَ عُمر بن زين العابدين: “لَبِسْنَ نِسَاءَ بَنِي هَاشِمٍ اَلسَّوَادَ وَاَلْمُسُوحَ” وصفٌ للحال مِن قبيل الوصف الإجمالي، لا من قبيل الوصف الشمولي الاستغراقي، بمعنى أنَّ الوصف نفسه يصحُّ لو أنَّ بعضهنَّ قد لبسن الدَّاكن من اللباس دون السَّواد، بل ويصحُّ فيما لو كان الغالب عليهنَّ لُبس السَّواد؛ وإنَّما أثبتنا هذين الاحتمالين لبيان عدم صحَّة الاتِّكاء على كون السَّيدة زينب (عليها السَّلام) قد لبست السَّواد في هذا المأتم المذكور.

بل يصحُّ القول بأنَّ السَّواد مِن المسوح؛ و”المِسح بكسر الميم وسكون السين: البلاس؛ وهو ثوب من الشَّعر الغليظ، والمسح: الكِساء من الشَّعَر[11]، والكِساء الأسود مُستثنى مِن المنعِ كما في النَّصِّ الشَّريف. ويكون قوله “ اَلسَّوَاد وَاَلْمُسُوح” محمولًا على كونهما نوعًا واحدًا، وهو جمعٌ جيِّدٌ.

رابِعًا: إنْ قُلنا بالإمضاء الشَّرعي وكونه مفيدًا للندب، فهل يشمل الرِّجال؟

الجواب: لا خلاف في شمول الخطاب للنساء مع قصر لسانه على الرِّجال، بل هو المُستعمَل في لساني الشَّرع والعرف فِعلًا، ولا يُخرج النساء من شمول الخطاب إلَّا بدليل أو قرينة واضحة. أمَّا إذا كان الخطاب أو الدليل مقصورًا في لسانه على النِّساء فإنَّ شموله للرجال يحتاج إلى ما يدلُّ عليه، لا سيَّما فيما نحن فيه؛ حيث استفاضة الروايات الحاثَّة على إقامة مآتم العزاء على مصيبة الإمام الحسين (عليه السَّلام)، والتصريح فيها بإنشاد الشعر والبكاء والإبكاء والتباكي، وأنَّ الإمام (عليه السَّلام) كان يضرب ملاءة ليعزل النِّساء عن الرِّجال، وكان يطلب من الرَّاثي أن يلقيه شعره بطريقة معينة. كما وحثَّت الروايات الشريفة الشِّيعة على إقامة المآتم متى ما سنحت الفرصة، وتخصيص العشرة الأولى من المحرَّم بالحزن والكآبة ومفارقة الضحك. ولم نقف على خطاب واحد يحثُّ على لُبس السَّواد في قِبال الروايات الشديد في المنع منه!

كلُّ هذا يُبعدنا عن فكرة رفع اليد عن عموم المنع من لُبس السَّواد واستثناء مآتم الإمام الحسين (عليه السَّلام) منه.

أمَّا ما يدلُّ على إظهار الحزن ورفع شعاراته فلا خلاف فيه، ويستثنى منه ما تعارف عليه النَّاس من لُبس السَّواد؛ للأدلة النَّصيَّة الصريحة المانعة من لُبس السَّواد لأنَّه لباس فرعون، ولباس أهل النَّار، ولباس أعداء الله. فمحلُّ الإيراد على ما أفاده العلمان (رحمهما الله تعالى) هو في مسار الاستدلال، فالصحيح هو أن يُستثنى لُبس السَّواد من مظاهر الحزن في مأتم أبي عبد الله الحسين (عليه السَّلام)، وليس لُبسه فيه استثناءً من عموم أدلة المنع.

مسألة (الشِّعار):

قال علَّامة البحرين (رحمه الله): “وعلى هذا الشعار وقع إجماع العلماء على ممرِّ الأعصار، بل جعلوه من أعظم العبادات وما يُتَقرَّبُ به إلى الله”.

لم أقف على نصٍّ شرعي يُصَيِّرُ ما أصبح شعارًا للشِّيعة دليلًا يُستدلُّ به على الجواز أو على وجوب الإبقاء عليه، أعني (الشِّعار)، لا سيَّما مع معارضته لنصوص صريحة. أمَّا كونه مِمَّا “أجمع عليه العلماء على ممرِّ الأعصار” فيُناقش أوَّلًا في صحَّة الدَّعوى، ثُمَّ في منشأ هذا الإجماع على فرض الانتهاء إلى صحَّة دعواه؛ فلسانُ أدلَّةِ المنع شديدٌ، ولا تصحُّ معارضتها -كما مرَّ- بغير نصوص واضحة صريحة، والغريب أنَّنا لم نقف على نصٍّ واحدٍ يحثُّ فيه المعصوم (عليه السَّلام) على لُبس السَّواد!

استطراد[12] بمناقشة ما استُدلَّ به على الجواز أو الاستحباب في خصوص مصائبهم (عليهم السَّلام):

أنقل هنا ما قلتُه هناك في مقالة (طلب الاقتصاد في فهم أدلة لُبس السَّواد).

الأدلة الَّتي يُفادُ منها الجواز مطلقًا:

  • قال في الأمالي: حَدَّثَنَا الحُسينُ بن علي بن شعيب الجوهري (رضي الله عنه)، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن يحيى بن زكريا القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن عبد الله بن حبيب، قال: حَدَّثَنَا الفَضلُ بن الصقر العَبْدِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الصادق جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال:

“خَرَجَ رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ) وعليه خَمِيصَة وقد اشْتَمَلَ بِهَا، فقيل: يا رسول الله، مَنْ كَسَاكَ هَذِهِ الخمَيِصَةَ؟

فقال (صلَّى الله عليه وآله): كَسَانِي حَبيبي وصفِيي، وخاصَّتي وخالِصَتي، والمًؤدِّي عَنِّي، ووصيي ووارثي وأخي، وأوَّلِ المؤمنين إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأسمح الناس كَفًّا، سيدُ الناسِ بعدي، قائِدُ الغُرِّ المحجَّلين، إمَامُ أهْلِ الأرضِ عليُّ بن أبي طالب، فلم يزل يَبْكِي حَتَّى ابْتَلَّ الحَصَى مِن دُمُوعِه شَوقًا إليه”[13].

أمَّا الخميصة فهي “بَرْنَكانٌ أَسْوَدُ مُعْلَم من المِرْعِزَّى والصُّوفِ ونحوه، والخَمِيصةُ كساء أَسْودُ مُرَبَّع له عَلَمانِ”[14]، والبرنكان ضربٌ من الأكسية، والعلم في الثياب الخط.

إنَّه وإنْ قيل بأنَّ الخميصة “ثوب أسود مُربَّع”[15]، إلَّا أنها تحمل هنا على الكساء؛ لاستثنائه من الكراهة[16] كما مرَّ، فلا يثبت الجواز لمطلق الملبوس، ومثله ما:

  • روى في المستدرك، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد قال: أخبرنا مالكُ بن إسماعيل النهدي، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بن زِيَاد، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:

“خَرَجَ عَلينَا عليٌّ (عليه السلام)، في إزَارٍ أصفر، وخَمِيصَةٍ سَوْدَاء”[17].

ج- قال في علل الشرائع: “حَدَّثَني مُحَمَّد بن الحسن، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن يحيى العَطَّار، عن مُحَمَّد بن أحمد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن مُحَمَّد بن الفضل، عن داود الرقِّي، قال:

“كانتِ الشيعةُ تَسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن لُبس السواد، قال: فَوَجَدْنَاه قَاعِدًا عليه جُبَّةٌ سَوداء وقُلُنْسُوةٌ سَوداء وخُفٌّ أسود مُبَطَّنٌ بِسَواد. قَالَ: ثُمَّ فَتَقَ نَاحيَةً مِنْهُ، وقال: أمَا إنَّ قُطْنَهُ أسْود، وأخْرَجَ مِنْه قُطْنًا أسود، ثُمَّ قال: بَيِّض قَلْبَكَ والبس ما شِئْتَ”[18].

قَالَ الشَيخُ الصَدُوقُ (علا برهانه) مُعلِّقًا: “فَعَل ذلك كله تَقيَّةً، والدليل على ذلك قوله في الحديث الذي قبل هذا “أمَا إنِّى ألبسه وأنا أعلم أنَّه من لباس أهل النار”؛ وأي غرض كان له (عليه السلام) في أنْ صَبَغَ القُطْنَ بالسواد إلَّا لِأنَّه كان مُتَّهَمًا عِنْدَ الأعداء أنَّه لا يَرَى لُبْسَ السَوادِ؛ فأحَبَّ أنْ يَتَّقى بِأجْهَدِ ما يُمْكِنُهُ لِتَزولَ التُهْمَةُ عن قُلُوبِهِم فَيَأمْنَ شَرَّهُم”[19].

أقول: إنَّه وإضافة لما أفاده شيخنا الصدوق (طاب رمسُه)، فهنا أمران:

الأوَّل: سؤال الشيعة عن لُبس الأسود كاشفٌ عن وجود أمر خاص، وفي المقام احتمالان:

  • أن يكون اتِّخاذه لباسًا لأعداء الله قد أثار المسألة عند الشيعة، والفرض وجود ارتكازٍ عام بعدم اتِّخاذ لباسهم لباسًا؛ لحديث أمير المؤمنين (عليه السلام): “ لا تلبسُوا لِبَاسَ أعْدَائي، ولا تَطْعَمُوا طَعَامَ أعدائي، ولا تسلكُوا مَسَالِكَ أعدائي؛ فَتَكُونُوا أعدائي كَمَا همُ أعْدَائي” وقد مرَّ.
  • ارتكاز الحرمة أو الكراهة، إلَّا أنَّ ما وجده الشيعة من اتِّخاذ المُشار إليهم الأسود لباسًا وشعارًا لهم في تلك الحقبة الزمنية دفع للسؤال عن الحكم الشرعي، وقد نُقِلَ أنَّ الناس كانوا يلبسون القلانس السوداء اتِّقاءً من أن يكونوا في موضع تهمة.

الثاني: على القول بكون المقام مقامَ تقيَّة كما وجَّه إليه الشيخ صدوق وغير واحد من الأعلام، فإنَّ قوله (عليه السلام): “بيِّض قلبَكَ” قد يُحمَل على سلامة المعتقد، أي: فليكن معتقدك وتدينك سليمًا صحيحًا والبس ما شئت تقيَّة.

ولا يُقال: الأصل عدم التقدير.

لأنَّه يجَابُ بالمصير إلى الأصل عند عدم وجود ما يُرجِّح التقدير أو يقويه أو ما شابه، ومع المقدمات المشار إليها يُقال بالتقدير.

الأدلة الَّتي يُفادُ منها الجواز في مصائب العترة الطاهرة.

  • نقل في موسوعة الفقه، قال: “وفي ناسخ التواريخ في المجلَّد الخاص بحياة الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّه لمَّا قُتِلَ عليٌّ (عليه السلام) خرج الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المسجد بثوب أسود فعلا المنبر وقال..[20].

أمَّا ناسخ التواريخ فهو لـ “الميرزا مُحَمَّد تقي خان الكاشاني، مُسْتَوفي الديوان، الملقب بلسان الملك، المتخلص بسَبْهر، توفي في ربيع الثاني سنة 1297. كان فاضلًا مُتَبَحِّرًا أديبًا أريبًا بصيرًا مُطَّلِعًا خبيرًا”[21]. وأمَّا النص فقد بحثتُ عنه فيما تقدَّم الناسخ من كتب التاريخ فوجدتُ التالي في كتاب أنساب الأشراف، قال:

“وخرج عبيد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب إلى الناس بعد وفاة عليٍّ ودفنه، فقال: إنَّ أمير المؤمنين رحمه الله تعالى قد توفي برًّا تقيًّا، عدلًا مرضيًا، أحيا سنَّة نبيه وابن عمِّه، وقضى بالحقِّ في أمَّته. وقد ترك خلفًا رضيًّا مُباركًا حليمًا، فإن أحببتم خرج إليكم فبايعتموه، وإن كرهتم ذلك فليس أحدٌ على أحد، فبكى الناس وقالوا: يخرج مطاعًا عزيزًا، فخرج الحسنُ فخطبهم فقال..”[22].

وفي شرح نهج البلاغة قال: “ولمَّا تُوفي علي (عليه السّلام) خَرَجَ عبدُ الله بن العبَّاس ابن عبد المطلب إلى الناس فقال: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) تُوفي وقد ترك خلفًا، فإن أحْبَبتُم خَرَجَ اليكم، وإنْ كرهتم فلا أحد على أحد. فَبَكَى الناسُ وقالوا: بل يخرج الينا. فخرج الحسنُ (عليه السّلام) فَخَطَبَهم، فقال: أيُّها الناس، اتَّقُوا الله؛ فإنَّا أُمَرَاءُكم، وإنَّا أهل البيت الذين قال الله فينا: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فَبَايعه الناسُ، وكان خرج إليهم وعليه ثيابٌ سُود[23].

الظاهر صعوبة اعتماد هذا النص؛ لخلوه من أدنى موازين الاعتبار، ولعدم ذكر المصدر لبس الإمام (عليه السلام) الثوب الأسود عند خروجه للناس، فنتمسَّك بالقدر المشترك وهو خروجه وخطبته (عليه السلام) دون ذكر حال ولا وصف. وإلَّا فنلتزم النُّصوص الصريحة في المنع ونُرجئ ما ورد في هذه الرواية إلى أن يفتح الله لنا أو إلى حين الظهور الشريف لصاحب الأمر (صلوات الله وسلامه عليه).

روى في الكافي بسنده عن يحيى بن زكريا الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: سمعتُه يقول: “مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا، وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي[24].

وبعد ذاك، فلا بُدَّ مِنَ الإشارة إلى أنَّ المقام مقام بحثٍ نرجو له الموضوعيَّة، أمَّا ما انتُهيَ إليه في بحوث أخرى مِن نتائج مخالفة فهي محل تقدير النظر العلمي، ويبقى لها أهلها وحملة القناعة بها من هذه الجهة الموضوعيَّة.

نسأله تعالى التوفيق للخير والصَّلاح بالثبات على نهج السَّادة الأطهار (عليهم السَّلام)، والإحجام عن تقدُّمهم أو التأخر عنهم بأي نحو من الأنحاء، إنَّه سميع مجيب. وصلَّى الله على محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

ساعة المغرب من يوم العشرين من صفر 1447 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………….

[1] – موقع: كتابات: ( https://www.ketabat.org/writings/131 )

[2] – الحدائق الناضرة -الشَّيخ يوسف العصفور- ج7 ص118.

[3] – نصُّ الرواية كما في المحاسن، ج2 ص420: بسند البرقي، عن عمر بن علي بن الحسين، قال: “لَمَّا قُتِلَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَبِسْنَ نِسَاءَ بَنِي هَاشِمٍ اَلسَّوَادَ وَاَلْمُسُوحَ، وَكُنَّ لاَ يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَلاَ بَرْدٍ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ يَعْمَلُ لَهُنَّ اَلطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ“.

[4] – رواشح العناية الربانية في شرح الكفاية الخراسانية، الشَّيخ حسين العصفور- المجلد الخامس (من نسخة الأصل، ملك المصنف). صورة زودني بها الأخ الصدوق صاحب الفضل والسَّماحة الشَّيخ حسن ابن الحاج علي مِن آل سعيد المعاميري (حفظه الله تعالى في خير وعافية).

[5] – علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج2 ص347.

[6] – الكافي -الشَّيخ الكليني- ج3 ص403.

[7] – كتاب من لا يحضره الفقيه -الشَّيخ الصدوق- ج1 ص251.

[8] – كتاب من لا يحضره الفقيه -الشَّيخ الصدوق- ج1 ص252.

[9] – الكافي -الشَّيخ الكليني- ج6 ص449.

[10] – ليس بالضرورة أن يكون المُعاقَب بالنَّار من أعداء الله؛ فقد يكون عاصيًا مُذنِبًا مُستحقًّا لعذاب النَّار، ولكِنَّه لا يحمل عداءً لله جلَّ في عُلاه، إلَّا أن يُقال بأنَّ المُستحقَّ لعذاب النَّار عدوٌّ لله بالضرورة قصد العداء أم لا. أمَّا فرعون فهو من أهل النَّار وعدوٌّ لله جلَّ اسمه.

[11] – المُعجم العربي لأسماء الملابس -رجب عبد الجواد إبراهيم- ص470.

[12] – المناقشة منقولة مِن مقالة (طلب الاقتصاد في فهم أدلة لُبس السَّواد)، والتنقيح بين قوسين.

[13] – الأمالي – الشيخ الصدوق – ص 250

[14] – لسان العرب

[15] – المنجد ص196

[16]بل من (المنع).

[17] – مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج 3 – ص 234

[18] – علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج 2 – ص 347

[19] – علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج 2 – ص 347

[20] – الفقه، السيد محمَّد الشيرازي، ج18 ص293، عن ناسخ التواريخ، مجلَّد الإمام الحسن (عليه السلام) ص37

[21] – أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج9 ص194

[22] – أنساب الأشراف، البلاذري، ج2 ص279، البلاذري هو أحمد بن يحيى بن جابر، توفي في 278 للهجرة.

[23] – شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج4 ص8

[24] – الكافي -الكليني- ج1 ص391.

مقالات مشابهة

اترك تعليق


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.