يتداول بعضُ الإخوة من طلبة العلم ومن عامَّة المؤمنين ما قد يصحُّ عنونته بـ(تقنين المنبر) باقتراح معايير معيَّنة تُلتَزَمُ عند اختيار المأتم للخطيب. ومِن العناوين التي يطرحها الإخوة الكرام في حواراتهم ومناقشاتهم يتبين تمامًا توجُّه الكلام إلى الخِطابة العلميَّة مِن السِّيرة إلى ما بعدها من تحقيقات وأطروحات اجتماعيَّة وفكريَّة بما يندرج تحتها ويناسب الطرح المنبري كما يرى البعض.
**************
استمعت قبل قليل لمقطع يؤكِّد فيه الأخ الكريم صاحب السَّماحة السَّيد هادي السَّيد زهير الوداعي (حفظه الله تعالى) على ضرورة التحقُّق من صحَّة الأحاديث، فذكر التثبُّت من صحَّة السند، ومِن كون الكلام موافقًا لعربيَّة وبلاغة النصوص الواردة عنهم (عليهم السَّلام).
**************
لا شكَّ في اتفاق المسلمين قاطبة على ضرورة التحقُّق من صحَّة الأحاديث، ولكنَّ الَّذي يُلاحظ على طرح هذه المسألة هو صعوبة التزام الخطيب بذكر المسالك والمناهج والمذاهب العلميَّة للتحقُّق مِن صحَّة الروايات، فمسلك السَّيد المُرتضى مختلف عن مسلك السَّيد الخوئي، وما عليه الحُرُّ العاملي مُقابِلٌ لما عليه السَّيد محمَّد العاملي، ومنهج الشَّيخ يوسف العصفور مُغاير عن منهج الوحيد البهبهاني، ومثل ذلك ما بين السَّيد محمَّد سعيد الحكيم والشَّيخ الفيَّاض..
**************
هناك مِن الفقهاء مَن يرجع إلى السند في موارد التعارض وانحسار طرق رفعه ليتعين في الترجيح بصفات الراوي، أمَّا تصحيح نفس الرواية فبجمع القرائن الحافَّة بها والدَّالة على صحَّتها.
**************
والسؤال هنا: هل يطرح الخطيب ما يعتقده من مسالك العلماء؟ أو أنَّه مُطالب بطرح ما عليه فقهاء الإماميَّة منذ الصدر الأوَّل إلى اليوم؟
وكيف كان، فهو مِثال.. مجرَّد مِثال؛ وعليه فقس..
**************
عندما نطلب من الخطيب الالتزام بطرح المسائل التاريخيَّة المُحقَّقة، فهل يطرح ما هو محقَّق على موازين المذهب التحقيقي (ألف) أو (ب) أو (ج)؟ ولو التزم أحدها فهل نمتلك صدرًا يستوعب هذا الاختلاف؟ أو أنَّ مَن ينادي بضرورة التزام الخطيب بالمنهج العلمي لن يقبل منه غير ما هو عليه ويعتقده؟!
**************
وكذا بالنسبة للطرح الاجتماعي والسياسي والفكري؛ فلو جاء الخطيب وطرح رؤى تاريخيَّة على وفق مذهب معيَّنٍ في علم الاجتماع، فهل هذا مقبول منه؟ ولو طرح تحليلًا سياسيًّا لا ترتضيه جماعةٌ من المؤمنين في البلد فهل يبقى طرحه في سياق الطرح العلمي؟
**************
إنَّ ما نشهده في ساحتنا اليوم من اشتداد جدلي حول الطرح السياسي من على المنابر كاشف تمامًا خطأ طرح ما يرجع إلى توجه فكري خاص.. هذا ولو أنَّ المناقشات تنتقل إلى المواقف السياسيَّة أو الاجتماعيَّة أو ما شابه لاتضح بما لا يدع مجالًا للشَّك بأنَّ كلَّ جماعة منَّا لن تقبل بغير ما يوافق توجهاتها ومبانيها الفكريَّة.. ومن هنا نرجع إلى المربع الأوَّل ليعود النزاع وتُجتر الصراعات..
**************
وهنا كلمةٌ لا بُدَّ مِنْ الانتباه لها بوعي تام، وهي القطع بعدم قبول ترجيح ما عليه الأغلبيَّة أو ما يتبناه الأقوى جماهيريًّا أو ما شابه، ويكفي إسناد هذا الرفض إلى أنَّ انقلاب الغالبية إلى أقليَّة سنَّة من سنن الحياة، وليس من المعقول القبول بتعاقب الرايات؛ ولكنَّ الَّذي ينادي به العقل هو التزام ما لا خلاف فيه. وأنت خير من يفهم، لا سيَّما وأنَّ الأمر أسهل بكثير من هذا التعقيد.
**************
يطول الكلام في أمر (المنبر)، ولكن أرجو أن تكون العناوين السالفة كافية.. والنَّبيهُ نَبيهٌ.
السَّيد محمَّد السَّيد علي العلوي
ليلة الحادي من شهر صفر 1447 للهجرة
البحرين المحروسة

