بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
هذه مقالةٌ نقديَّة لرأي طرحه صاحِبُ السَّماحة والفضل الشَّيخ حسن بن موسى الصَّفار (حفظه الله تعالى)، وإنَّني أستهلُّها بتصريح واضح أُبيِّنُ فيه ما للشَّيخ المُكرَّم من محبَّةٍ وَعَظيمِ احتِرَامٍ وتقديرٍ في قلبي؛ فاختلاف الآراء والمواقف أمرٌ مشروعٌ، بل طبيعيٌّ، ولا ينبغي أن يكون له أدنى أثر على العلاقات بين إخوة الإيمان ما لم يكن الخلاف في حدٍّ عَقَدي تنخرم الأخوَّةُ بهتكه أو تجاوزه.
لِذا فإنَّ ما أطرحه في مقالَتي لن يمسَّ مقامَ الشَّيخ الفاضل في نفسي على الإطلاق. فمع بالغ التحيَّة والتقدير، أقول:
استمعتُ إلى مقطعٍ مرئيٍّ لكلمةٍ يُسجِّلُ فيها الشَّيخُ الصفَّار اعتراضه على القبول بالأحاديث المُصرِّحة بكون الإمام الحسن (عليه السَّلام) مِطلاقًا، وأنَّ امير المؤمنين (عليه السَّلام) نصح أهل الكوفة بعدم تزويجه، وهما روايتان أثبتهما شيخُنا الكليني (رحمه الله تعالى) في كتابه الكافي، ثُمَّ إنَّه (رعاه الله تعالى) أنكر على المدافعين دفاعهم عن هذه الروايات ومثيلاتها مبديًا تعجُّبه منهم.
إنَّ موضع نقدي تحديدًا هو أسلوب الاعتراض والإنكار، وإلَّا فهناك من طَرَحَ الرِّوايَتَين مُبيِّنًا وجُوهَ الطَّرْحِ بِما يستبطن مسلكه العلمي في القبول والردِّ للروايات الواردة في كتبنا المعتبرة. وفي المقابل، هناك مِن وجد جملةً مِن التفسيرات الَّتي تُبرِّر تكرُّر الطلاق مِن الإمام الحسن (عليه السَّلام) حتَّى قال عنه أمير المؤمنين (عليه السَّلام) بأنَّه مِطلاق! ويبقى حقُّ المناقشةُ العلميَّةُ الهادئة قائِمًا لا يمكن مصادرته.
يهمُّني في هذه المقالة أن أُبيِّنَ مَسلَكًا علميًّا يُقابِل مسالِكَ القبولِ والردِّ، وهو ما عليه شيخُنا غارِس الحدائق وجملةٌ مِن المُحدِّثين (رحم الله تعالى الأموات والأحياء منهم)؛ إنَّه مسلك التوقُّف وحبس القلم.
استعرَض الشَّيخُ يوسُفُ بن أحمد مِن آل عصفور البحراني (رحمه الله تعالى) الآراء في مسألة الطلاق، ثُمَّ إنَّه ذكر ثلاث روايات تصرِّح بأنَّ الإمامَ الحسن (عليه السَّلام) مِطلاق، وقال:
“وبالجملةِ فَالمَقَامُ مَحَلُّ إشْكَالٍ، وَلا يَحضرني الآنَ الجَوابُ عَنْهُ، وَحَبْسُ القَلَمِ عَنْ ذَلِكَ أوْلَى بِالأدَب“[1].
يرتكِزُ مسلكُ التوقُّفِ وحَبسِ القلَمِ على ركنين أساسيين، هما:
1/ النهي الوارد عن ردِّ الروايات وإسقاطها مع القطع بعدم صدورها عن أهل بيت العِصمَة (عليهم السَّلام).
روى في مختصر بصائر الدرجات، قال:
حدَّثنا أحمدُ بن محمَّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمد بن خالد البرقي، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السمط، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): “جُعلتُ فداكَ، يأتينا الرجلُ من قِبَلِكُم يُعْرَفُ بالكذب، فَيُحَدِّث بالحديث فَنَسْتَبشعه.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يقولُ لَكَ إنِّى قُلتُ الليلَ أنَّه نهارٌ والنهارَ أنَّه ليل؟!
قلتُ: لا!
قال: فإنْ قال لك هذا إني قلتُه فَلَا تُكَذِّب بِهِ؛ فإنَّك إنَّمَا تُكَذِّبُني“[2].
وفي بصائر الدرجات، قال: حدَّثَنَا أحمدُ بن محمَّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذَّاء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعتُه يقول: “أما واللهِ إنَّ أحبَّ أصحابي إليَّ أورَعُهُم وأفقَهُهُم وأكتَمُهم بحديثنا، وإنَّ أسوأهُم عندي حالًا و أمْقَتَهم إليَّ الذي إذا سمع الحديثَ يُنْسَبُ إلينا ويُرْوَى عنَّا فلم يعقله ولم يَقْبَلْهُ قَلبُهُ اشْمَأزَّ مِنْهُ وجَحَدَهُ وكَفَرَ بِمَن دَانَ بِهِ، وهو لا يدري؛ لَعَلَّ الحَديثَ مِنْ عِندنا خَرَجَ وإلَينَا سُنِدَ، فَيكُونُ بِذَلِكَ خَارجًا مِنْ وِلَايَتِنَا“[3].
وفيه، قال: حدَّثنا محمَّد بن الحسين، عن محمَّد بن إسماعيل، عن حمزة بن بزيع، عن علي السناني، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنَّه كَتَبَ إليه في رسالة: “ولا تَقُلْ لِمَا بَلَغَكَ عَنَّا أو نُسِبَ إلينَا: هَذَا بَاطِلٌ. وإنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ خِلَافه؛ فإنَّك لا تَدْرِي لِمَ قُلنَا وعَلَى أيِّ وَجْهٍ وصِفَةٍ“[4].
إنَّ هذا المسلك لا يسمح بالاجتهاد الشخصي في تفسير الروايات، وإنَّما يعتمد تفسيراتهم (عليهم السَّلام)، وما لم يرد منهم تفسير فلا شيء غير حبس القلم التزامًا بالأدب.
2/ القول بمعارضة الرواية للكتاب العزيز والسُّنَّةِ المحكمة مشروطٌ بالقطع بعدم وجود وجهٍ ترتفع معه المعارضة.
إنَّ القطعَ بعدم وجود وجهٍ ترتفع معه المعارضة شرطٌ عُقلائيٌّ لا يُنكِر ذو مسكة من نظر، وقد بحثنا مسألة العرض على الكتاب العزيز والسُّنَّة المُحكمة في كتابنا (تحرير المسائل)، وانتهينا هناك إلى الفراغ من هذه المهمَّة الخطيرة في عصر الحضور، وأنَّ الغيبة لم تقع إلَّا وقد خُلِّصَتْ الروايات الشريفة مِن آثار حروب الوضع والتدليس والكذب على المعصومين (عليهم السَّلام). ومِن الأهميَّة بمكان الإشارة هنا إلى أنَّ مخالفةَ هذه النتيجة حقٌّ لكلِّ بحث علميٍّ، وإنَّما ذكرتُ ما انتهى إليه البحث في الكتاب المزبور لأنبِّه على وجود مذاهب ومسالك في دراية الحديث، وهذا ليس بخافٍ على القارئ الكريم، لذا فهو مجرَّد تنبيه.
خلاصة الكلام:
لك أن تُفسِّر النصوص المُشكِلة وترتب الأثر العلمي على تفسيراتك.
ولك ردُّها وفقًا لمسلكك العلميِّ دون مصادرة لحقِّ الآخر في التزام مسلكه العلميِّ.
ولك أن تتجنَّب المجازفة؛ بالتوقف وحبس القلم عن أي تفسير لِما يشكل عليك مِمَّا يُروى عنهم (صلوات الله وسلامه عليهم).
ويبقى الخطاب الليِّن والطرح السَّلس الهادئ مفتاحًا لأبواب الفهم والتلاقي.
هذا مع علمي والتفاتي إلى وجود من ينادي بما يطلق عليه: (تنقية التراث الشيعي) ويقدم أطروحته في هذا السياق، ولكِنَّ المقام هنا ليس لمناقشته؛ فما أردتُه فقط هو تسجيل نقدٍ يُخلِّص الخِطاب مِمَّا يُخرجه عن طبيعته العلميَّة ويحوله إلى خطاب استفزازي مُسْتَعْدٍ للآخر.
بالغ التحيَّة والتقدير للشَّيخ الكريم حسن بن موسى الصفَّار (حفظه الله تعالى) مع صادق الدعاء له بالخير والصَّلاح، كما وأسأله الدُّعاء.
السَّيد محمَّد السَّيد علي العلوي
8 صفر 1447 للهجرة
البحرين المحروسة
………………………………….
[1] – الحدائق الناضرة – الشَّيخ يوسف البحراني- ج25 ص148.
[2] – مختصر بصائر الدرجات -حسن بن سليمان الحلي- ص76-77.
[3] – بصائر الدرجات -محمَّد بن الحسن بن فروخ (الصفَّار)- ص557.
[4] – المصدر السابق ص558.

