بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وآلِهِ الطيبين الطاهرين.
مُعضِلةُ ارتهانِ الفهمِ لغير العلم، وَخِيَارُ الاعْتِزَالِ
تمهيد
روى البرقيُّ بسنده عن علي بن سيف، رفعه، قال: “سُئِلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ“[1].
إنَّ نَقْصَ الإنسانِ باعِثٌ تكوينيٌّ له على طَلَبِ سَدِّه، ولذلك يكون منه النوم، والأكل والشرب، والتزاوج، والحب، والتعلُّم.. وكلُّ حركة منه وسعي فمرجعها هو الأصالة التكوينيَّة للنقص في كافَّة جهات وجوده، فالطلب الدائم مِنَ الإنسان لما يسدُّ نقصه هو الحالة الطبيعيَّة الَّتي جُبِل عليها، وإن أعرض عن الطلبِ في جانبٍ فإعراضه حينذاك كاشف عن خَلَلٍ أو مرضٍ نفسيٍّ يستدعي المراجعةَ والعِلاج.
ومِن جوانب النَّقص في الإنسان جانب العقل، والفكر، وما يرجع إليه العلم ويعني بالمعرفة، ويُبَاشَرُ بأمرين؛ أحدهما اكتساب الخبرات بالملاحظة والتجارب وما نحو ذلك؛ وقد قال الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)[2]، والآخر الاجتماع؛ ويكفي في بيان خطره الحديث الَّذي صدَّرتُ به المقالة. والجانب النفسي من مشاعر وعواطف وما إلى ذلك من أبعاد معنوية تُسدُّ بتحسين ما يباشرها؛ من تديُّن وعلاقات اجتماعيَّة، واحترام للأعراف العامَّة، وما نحو ذلك.
يرجع كلُّ ذلك إلى ما قًرِّرَ مِنْ أنَّ كلَّ حركة مِنَ الإنسان ممتنعةٌ دون باعث ومحرِّك نحو ما يسدُّ نقص ما، ربَّما لا يشعر به، ولكنَّه يحركه ويبعثه على أمر مُعيَّن.
إذن؛ فحاجتنا إلى بعضنا البعض، وهي مسألة المقالة، حاجة تكامليَّة يُوَلِّدُها نَقْصُنَا التكويني، وتُحرِّكُ نحوها حاجةٌ تكوينيَّة أيضًا وهي الحاجة إلى سدِّ النَّقص، ولكنَّ الإنسانَ قد يُخطئ في اختياره لِما يسدُّ جانبًا من جوانب نقصه، ولا يبعد أيضًا عدم التفاته إلى كونه مخطئًا؛ بل وربَّما رآه صحيحًا ودافع عنه عمره، ولكنَّ هذا لا يُصحِّحُ الخطأ، ومن ذلك اختيار الصديق والصاحب، والمُعلِّم والتلميذ، والقائد والمقود، وما نحو ذلك ممَّا يقع في دائرة عموم علاقاتنا الاجتماعيَّة، ومن أهمَّ نتائج التلاقي الصادق بين النَّاس معالجة وتصحيح تلك الأخطاء.
فمِمَّا مرَّ تخلص المقالةُ إلى أمرين: أوَّلهما؛ أنَّ حاجةَ الإنسانِ للإنسان حاجةٌ تكوينيَّةٌ تكامُليَّةٌ، أمَّا الثَّاني؛ فاحتمال الخطأ في اختيار الواحد منَّا للآخر الَّذي يطلب به التكامل وسدَّ النَّقص احتمالٌ قائِمٌ دائمًا، وهو في الواقع محلُّ المشكلة الَّتي لا زالت تؤدِّي بالمؤمنين إلى مزالق مُهلكة منها الانحراف والضلال وما لا يُحمد عقباه.
تنقيحُ مسارِ المقال ومسألةِ التكاملِ وسدِّ النَّقص:
بالرجوع إلى قول أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أعلاه في أعلم النَّاس بأنَّه “مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ” نرى بأنَّه ناشئٌ مِنَ أصالة حاجة الإنسان إلى الإنسان، وإنَّما حُدِّدت في هذه الرواية الشريفة بمورد السؤال وهو (العلم)، وهو المورد الَّذي يعنينا في مقالتنا هذه. ولغاية تحديد مسار الكلام أذكر من الروايات الشريفة ما يبين المقصُودَ مِنَ (النَّاس) في قوله (عليه السَّلام) “مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ” للوقوف على حال العبارة من جهة حدود (النَّاس) المشمولين بالحكم.
عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى (عليه السَّلام)، قال: “دَخَلَ رَسُولُ اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الْمَسْجِدَ، فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟
فَقِيلَ: عَلَّامَةٌ.
فَقَالَ: ومَا الْعَلَّامَةُ؟
فَقَالُوا لَه: أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ ووَقَائِعِهَا، وأَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، والأَشْعَارِ، الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): ذَاكَ عِلْمٌ لَا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَه ولَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَه. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ؛ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ.. ومَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ“[3].
وقال الإمام الباقر (عليه السَّلام) لسلمة بن كُهيل والحَكَم بن عُتبة: “شَرِّقَا وغَرِّبَا؛ فَلَا تَجِدَانِ عِلْمًا صَحِيحًا إِلَّا شَيْئًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ“[4].
وعن زرارة بن أعين، قال: “كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ لَه رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُه عَنْ قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ؛ فَلَا تَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِه. قَالَ: إِنَّه لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَه عِلْمُ شَيْءٍ إِلَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ). فَلْيَذْهَبِ النَّاسُ حَيْثُ شَاؤُوا، فَوَاللَّه لَيْسَ الأَمْرُ إِلَّا مِنْ هَاهُنَا. وأَشَارَ بِيَدِه إِلَى بَيْتِه“[5].
وروى الكلينيُّ بسنده عن أيوب بن الحر، قال: “سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: “كُلُّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ“[6].
وبذلك يتَّضحُ أمران؛ أحدهما؛ انحصار (النَّاس) فيمن يروي عِلْمَهُ ويُسنِدُهُ إلى أئمَّة الهُدى (عليهم السَّلام)، والآخر؛ عدم وجود أي خيار غير الردِّ إلى الكتاب والسُّنة للوقوف على حال العلم، وقد روى الكلينيُّ بسنده عن أبي حمزة الثُّمالي، قال: “قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِيَّاكَ والرِّئَاسَةَ، وإِيَّاكَ أَنْ تَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ؛ أَمَّا الرِّئَاسَةُ فَقَدْ عَرَفْتُهَا، وأَمَّا أَنْ أَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ فَمَا ثُلُثَا مَا فِي يَدِي إِلَّا مِمَّا وَطِئْتُ أَعْقَابَ الرِّجَالِ!
فَقَالَ لِي: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ؛ إِيَّاكَ أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَه فِي كُلِّ مَا قَالَ“[7]. فحتَّى لو كان مصدرُ العِلْمِ عالِمًا فإنَّ كلامه يُردُّ إلى الكتاب والسُّنَّة للوقوف على حاله، وهنا مَوضِعُ تنقيحٍ مُهم، مع الالتفات إلى أنَّه ليس بالضرورة أن يكون الرَّادُّ إليهما، أعني الثِّقلين، مَن يَرِدُ عليه العلم، بل يكفي أن يبيَّنَ نفسُ المصدرِ مرجعَ علمه ومستندَ كلامه، فإذا كان ثقَّةً مأمونَ الدين وصحيحَ الموازين اُخِذ بكلامه. وبذلك نخرج من إشكال قصور عامَّة النَّاس عن الردِّ إلى الكتاب والسُّنَّة.
يجدرُ التنبُّه هنا إلى أنَّ هذه الرواية الشريفة الأخيرة ومثيلاتها ليست بصدد ذمِّ مَنْ يُنصَّبُ دون الحجَّة من شخصٍ أو جماعة ويُصدَّق في كلِّ ما يقول، ولكنَّها بصدد ذمِّ نفس هذا التنصيب. فقد يكون الرجل فقيهًا صالحًا ورِعًا تقيًّا، غير أنَّ تعامل النَّاس معه وتنزيله منزلة الحجَّة مِن أئمَّة الهُدى هو السلوك المذموم، والأشدُّ ذمًّا منه تبريره!
وكيف كان، فمن أهمِّ القوانين الرئيسيَّة الَّتي نخرج بها أنَّ (الثقْلَين هما الميزان الفارد للحكم على كلِّ عِلم وارد) فإن قبِلا به وإلَّا فلا طريق لقبوله ولو اتَّبَعَتْهُ وقالت به ودافعت عنه جماهيرُ الجنِّ والإنس.
ثُمَّ إنَّ المتمسِّك بالثقلين الشريفين لا يواجه مشكلة مع ما يرد عليه من أفكار ونظريات وبحوث لا تستند إليهما ولا تُقَدِّمُ فهمًا لِمَا فيهما، فهو في الواقع لا يعتني بها، إذ أنَّها بالنسبة له مجرَّد أفكار ونظريات بشرية سيرتها التغيُّر والتبدُّل؛ والوجه في ذلك أنَّها وليدة النضج العصري لأصحابها، وهذا لا ينفي أهميتها وأهمية مكانها من البناء الفكري والعلمي للأجيال الَّتي تأتي بعدها، فالكلام مُحدَّدٌ في عدم صلاحيتها للبقاء، فالعلم البشري متحوِّلُ الطبيعة يخرجُ من أطوار ويدخل في أخرى بتأثير من الواقع الاقتصادي والسِّياسي.. وبشكل عام؛ الواقع الثَّقافي. وسوف توضِّحُ المقالةُ عن قريب المقصود من وصف (البشري).
فالمشكلة الواقعيَّة الَّتي يواجهها إذن؛ هي الموقف العلمي الصحيح من أفهام أهل الإيمان لنصوص الثِّقلين الشريفين؛ الكتاب العزيز والعِترة الطاهرة، وفي الواقع لا ضير في اختلاف الإفهام للنصوص الَّتي تحتمل الاختلاف، ولكنَّ الإشكال في الفهم المرتبط بالاجتهادات الشخصيَّة على سعة تنوعها وتحميل نتائجها النصوص الشريفة.
وبهذا التحديد تنقَّح الموضوع وتحدَّد محلُّ الكلام؛ فما تهدف إليه المقالة:
توجيه النظر إلى أهميَّة التقاء المؤمنين بمختلف أطيافهم الفكرية لتداول ومناقشة ما يحملون من أفكار وقناعات يدَّعي كلٌّ منهم خلوصها في الاستناد إلى الثِّقلين الشَّريفين، ولكنَّنا في الواقع نعيش تباعدًا بينهم يصل إلى حدِّ التدابر؛ بسبب تعاكس حادٍّ في الأفهام لبعض النصوص الشَّريفة، ولذلك كان الالتقاء والتداول الموضوعي والمناقشة الصادقة حاجة ضروريَّة بعد الإقرار التام بنقص الإنسان وحاجته للآخر لمعالجة هذا النقص وسدِّه.
المشكلةُ وتَعَقُّدُها: مسألة خلفية الفهم:
إنَّها من أعقد المصاعب الَّتي يواجهها المؤمن في طلبه لفهم النصوص الشريفة، والوجه في ذلك صعوبة تخلُّص الإنسان مِمَّا يؤثِّر في توجيه فهمه من خارج نفس نصوص الثِّقلين، وقد يذهب التعقُّد إلى بُعدٍ آخر عندما يؤمن الباحِث بقواعد يستعملها في الفهم واستخلاص النتائج، وفي هذا البُعد لا يصحُّ النِّقاش مع من لا يؤمن بتلك القواعد، والصحيح حينها مناقشتها والنظر في مناشئها.
إذن؛ هنا أمران:
الأوَّل: أن يكون الباحث فعلًا وواقعًا مُبعِّدًا ونافيًا لكلَّ خلفية فكرية، بل ونفسية يحملها عند قراءته للنصوص الشريفة؛ ليبدأ بتكوين أسسه الفكرية والنفسيَّة من نفس النصوص الشريفة. فهو بطبيعة الحال ليس بخليِّ من المسبقات، ولكنَّه ينفيها نفيًا جادًّا عند قراءته ودراسته لنصوص الثِّقلَين.
الثَّاني: أن يدَّعي نفيه للمسبقات، ولكنَّه في الواقع ينظر في النصوص من خلال أفكار وقناعات (بشرية).
وبطبيعة الحال فكلُّ باحِثٍ، سواء من القسم الأوَّل أو الآخر، مُلزَمٌ عِلميًّا وأدبيًّا بنفي توجهاته النفسيَّة الخاصَّة عند اللحظة الَّتي يبدأ بحثه فيها؛ طالبًا بجدٍّ وحرصٍ التقليل، بل والحد من تأثُّرِهِ بأفكارٍ سابقةٍ جازِمَة.
توضيح وصف (البشرية): يتأثَّر الإنسان تأثُّرًا أوَّليًّا بشخص، أو بجماعة، وهذا أمر طبيعي، ثُمَّ إنَّ تأثُّره هذا يُلينه لهذه الجهة ويبدأ الأخذ عنها والإيمان بها شيئًا فشيئًا، وهذا طبيعي أيضًا، وهو في الواقع سيرة الإنسان منذ بدء الخليقة، وإنَّما تظهر حقيقة الإشكال بتتبع الخلفيات الفكرية والنفسية لتلك الجهة المُؤثِّرة، وصولًا إلى جهة قبلها كانت هي المؤثِّرة فيها، وهكذا حتَّى نقف على مناشئ الأفكار والقناعات الَّتي تحملها وتُؤثِّر مباشرةً في فهمها للنصوص الشريفة، بل لوقائع الدنيا وحوادثها.
إنَّ محلَّ التعقيد غَفْلَةُ الإنسان عن مناشئ أفكاره وقناعاته، والأشد خطرًا تطبيعه وتماهيه مع تلك المناشئ إلى أنْ عُدَّت من أصول الدين وأهمِّ مبادئه!
تُطرَحُ في هذا الصدد الكثير من الأمثلة والنماذج الَّتي يتبيَّن منها عدمُ خلوصِ مناشئِ سَوادٍ من آراء ونظريات ومعتنقات يحملها المسلمون اليوم من أصول غريبة عن الثِّقلين الشَّريفين؛ مِنها ما قُدِّمُ في دراساتٍ علميَّةٍ وازِنَةٍ عن الأثر المهمِّ لأفكار الإيطالي فيتوريو ألفييري (Vittorio Alfieri)، وهو مُفكِّر وشاعر وكاتب مسرحي (1749-1803م) في مواجهة الظلم والاستبداد عند المسلمين، وقد ظهر ذلك في كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لعبد الرحمن الكواكبي (1855-1902م)؛ إذ كانت جملة من أفكاره مستقاة “مِن كتاب الإيطالي فيتوريو ألفيري (Vittorio Alfieri 1749-1803) عن الاستبداد”[8]، ولكنَّ بعض المفكرين الأوربيين يرون بأنَّ كتاب (طبائع الاستبداد) للكواكبي يقدِّمُ “عرضًا موجزًا لمبادئ الآيديولوجية التنويرية الفرنسية، ولأفكار الثورة الفرنسية التي لقيت فيه تدعيمًا نظريًا فريدًا وتطورًا تاليًا في التربية العربية على أساس القرآن والاتجاهات العقلانية للفكر العربي.. ولا تكمن أهمية الكواكبي في أنَّ مؤلفاته تُعَدُّ قناة أخرى لتغلغل آيديولوجية التنوير الفرنسي البورجوازية التقدمية في الشرق العربي، بقدر ما تكمن في استيعابه وصياغته لهذه الآيديولوجية بما يتماشى مع الاحتياجات المُلحَّة للتطور الاجتماعي للعالم العربي واطلاع العرب عليها في أنسب شكل لهم، يطابق مستوى استعدادهم الآيديولوجي المعاصر”[9].
ويذهب مُحلِّلون إلى تأثُّر الكواكبي أيضًا بجمال الدين الأفغاني (1838-1897م)، وكلاهما متأثِّرٌ بالأطروحات الغربيَّة في مسألة (مواجهة الاستبداد) وتحليل التخلُّف عن القيام بمسؤوليته، وهذا ما لا يُنكره الكواكبي؛ إذ يقول عن علم السياسة في الغرب: “أمَّا المُتأخرون من أهل أوروبا ثُمَّ أميركا فقد تَوسَّعُوا في هذا العلم وألَّفُوا فيه كثيرًا، وأشبعوه تفصيلًا، حتَّى أنَّهم أفردوا بعضَ مَبَاحِثِه في التأليف بمجلدات ضخمة، وقد ميَّزُوا مباحثه إلى سياسة عمومية، وسياسة خارجية، وسياسة إدارية، وسياسة اقتصادية، وسياسة حقوقية الخ، وقسَّمُوا كُلًّا منها إلى أبواب شتَّى وأصول وفروع”[10].
وفي الوقت الَّذي يُثبتُ فيه باحثون تأثُّر تيارات إسلاميَّة بأطروحات غربية عن طريق مُفكرين مثل الأفغاني والكواكبي ومحمَّد عبده[11]، يأخذ آخرون الأمر إلى عكس هذا الطرح، فيتبنون نظرية تأثُّر هذه الأطروحات الغربية بالإسلام وما يحمله من قواعد وأدبيات!
عندما يقفُ المؤمن العاقل أمام مثل هذه الرؤى المتعاكسة والأطروحات المتكاذبة، فإنَّه لن يجد حكمًا فاصِلًا غير الكتاب العزيز والعِترة الطاهرة، وهما لا ينفعان هنا دون تجرُّده، أقصد المؤمن العاقل، من كلِّ أثر في نفسه يُغير معاني النصوص ويحرفها عمَّا يريده أئمَّة الهدى (عليهم السَّلام).
إذا اتَّضح الأمر بالمثال المتقدِّم اتضحت خطورة الذهنية المتأثرة الَّتي تقرأ نصوص الثِّقلَين وتدرسها وتعتمدها أصولًا وأسسًا في بنائها لأفكارها وقناعاتها ونظرياتها، ولكنَّ قراءتها ودراستها موجَّهةٌ بما تحمله من أفكار وقناعات مسبقة ترجع في أصولها إلى نتاج بشري لا يقطع بموافقته لصحيح الوحي أو مفارقته له، وهذه حقيقة وواقع نعيشه فعلًا بملاحظاتنا العادية للتباين بين فهم المتأثِّر بالفلسفة والعلوم والنظريات العقليَّة، مثلًا، وغيره المتأثِّر بعلوم النفس والاجتماع، وآخر بالسياسة، وغيرهم بالاقتصاد، وهكذا..
وقفةُ بيانٍ وتوضيح:
روى زيدُ الشَّحَّامُ، عن أبي جعفرٍ (عليهِ السَّلام)؛ “فِي قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ إِلى طَعامِه)، قَالَ:
قُلْتُ: مَا طَعَامُه؟
قَالَ: عِلْمُه الَّذِي يَأْخُذُه عَمَّنْ يَأْخُذُه“[12].
يحرصُ الباحِث، والمثقَّف عمومًا، على القراءة وتتبع أخبار الكتب العلميَّة والفكريَّة لا سيَّما تلك الَّتي تقع في مجال تخصُّصه أو اهتمامه، وتُعدُّ القراءة والإحاطة بأخبار نتاج العلماء والمفكرين من أهمِّ العلامات على ثقافة الإنسان وجدِّه في طلب العلم والمعرفة، وفي هذا الأفق تُتَجاوز بعض الموازين والقيود المهمَّة الَّتي تصون الباحث وتحجزه عن الوقوع في التأثُّر بالأفكار والقناعات والأدبيات الَّتي لم تنطق بها النصوص الشَّريفة، أو غير الموافقة لها.
إنَّه واقع نلاحظه في حُقَب تاريخيَّة مُهمَّة، منها ما يُذكر فضيلةً وميزةً كترجمة كتب علماء ومفكري الشرق والغرب في بعض أيَّام الدولة العباسيَّة، ومنها ما يُسجَّل علامة حضارية كدعوة أصحاب النظريات والأطروحات الفكرية من علمانيين وليبراليين، وشيوعيين وملحدين؛ لإلقاء محاضرات وحضور ندوات وملتقيات عامَّة. لا شكَّ في أنَّ لمثل هذا الانفتاح أثره البالغ، وليس بالضرورة أن يكون بالتأثُّر المباشر من المُحاضِر أو الكاتب، فهذا الحراك الثَّقافي يولِّد ثقافة الانفتاح على الآخر ويُضعِّف الاهتمام بمراعاة الموازين والقيود المُقرَّرة في الإسلام.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ هذه القيود لا يتفرَّد الإسلام بفرضها، بل الواقع أنَّها موجودة وحاضرة في مختلف الجماعات والتوجهات لا سيَّما الحزبية منها؛ إذ يُحظر على أبناء الجماعة أو المنتمين لها أو للتنظيم أو الحزب القراءة لعلماء الإسلام -مثلًا- أو لمن يخالفهم مخالفة نقض، وإن لم يكن الأمر محظورًا فلن يكون بأقلِّ من التحذير والتخويف، إلَّا أن تُضبط القراءة للغير بضوابط أفكار الجماعة.
تنبيهٌ مُهم: هو تنبيه لدفع نقدٍّ مُحتمل، وهو الاستشهاد بالغرب كواقع لا يرى فيه حظر على النَّاس أو تخويف من القراءة للغير، ويُقال: لا يُخوِّف من الآخر غير الضعيف الَّذي يخشى على أفكاره من الانهدام عند مواجهتها بأفكار الآخر!
وهنا تجدر الإشارة والتنبيه إلى أنَّهم في الغرب لا يخشون من أي قناعة أو عقيدة يحملها مواطنون أو مقيمون بشرط سلامة أمرين؛ أولهما بقاء صاحب القناعة أو العقيدة في منظومة الرأسماليَّة يؤدِّي دوره دون إخلال. وثانيهما أن لا يُهدِّد السِّلم الاجتماعي ولا يقترب بأدنى ما يضرُّ بالأمن القومي. وما دون ذلك فليحمل ما يشاء من أفكار وقناعات وعقائد.
ولو أنَّنا نُدَقِّق النَّظر لوجدنا هذا الغرب محكومًا بحزب أكبر وهو الرأسماليَّة العالميَّة، وهذا الحزب لا يخشى شيئًا من القناعات والعقائد لقبضه بإحكام بالغ على مفاصل الاقتصاد، وإخراج أي شخص أو جهة من منظومة الاقتصاد العالمي تعني موته لا محاله.. إلَّا ما رحم ربي.
عود على بدء..
هي إذن مُعضلة مُعقَّدة يواجهها المؤمن العاقل الساعي في طلب الحقِّ وما يضعه على جادَّة الصراط، مع خشيته مِن أن يكون متأثِّرًا بثقافة من خارج حدود الكتاب العزيز والعِترة الطاهرة، أو أن يكون مِمَّن يطأ أعقاب الرِّجال، وقد مرَّ التحذير منه في رواية أبي حمزة الثمالي.
الخروج من هذا الإعضال:
بداية نؤكِّد على أنَّ كلامنا محصور في خصوص المختلفين من غير المنحرفين وأهل الضلال، وهذا تأكيد تتضح أهميته بعد قليل إن شاء الله تعالى.
إنَّنا كمجتمع في حاجة ماسَّة إلى مستويات من الوعي بمسائل ومسارات الاختلاف تُجَنِّبُنَا الصدامات الداخلية فيما بيننا وتنأى بنا عن قُبح التدابر والقطيعة، وفي اعتقادي أنَّ من أهم السُبل لتحقيق هذه الغاية انفتاح المختلفين على طرح رؤاهم واستعدادهم لمناقشة بعضهم البعض مناقشة علميَّة لا يُقصد منها فرض الإقناع وإخضاع الآخر، بل المطلوب هو فهم أنَّ كل طرف يستند إلى أدلة علميَّة ويسلك طريقًا مرضيًّا من الجهة العلميَّة في استدلالاته. ومن لا يكون كذلك فسوف يظهر أمره لنفسه إذا كان غافلًا، أو لِمن ألقى السمع وهو شهيد، وحتَّى المعاند لن يبقى بعد المناقشة العلميَّة الرصينة مستترًا كما كان.
وإنَّما أطرح أهميَّة وعي المجتمع فلأنَّ الخلافات وسلوك التدابر والقطيعة منتشرة بين المؤمنين، بل وأمست في قناعاتهم تكليفًا شرعيًا يُمتثل قربة إلى الله تعالى، وهذه مشكلة خطيرة فعلًا، وقد تُعالَج بانفتاح المؤمنين -كلٌّ بحسبه- على مناقشات الرؤى ومسائل الخلاف، برجاء أن يسري شيء من الوعي وفهم الواقع في شرايين مجتمعاتنا الطيبة بما يخرجها من واقع التأزيم وعُقَد التحزبات والجماعات والارتهان لها.
معضلة (عقلية إعطاء الشرعيَّة):
إنَّ أيَّ حلٍّ يقوم على الالتقاء والإقبال على الآخر يواجه عُقدةَ (إعطاء الشرعيَّة)، وأقصد الشرعيَّة الاجتماعيَّة، بل الأعم منها ومن الدينيَّة، فالتواصل مع المختلف عند هذه العقليَّة، أو مناقشته والإقبال عليه يساوي الاعتراف به وإعطاءه اعتبارًا اجتماعيًّا أو دينيًّا، وإيصال رسالة لعموم المؤمنين مُفَادُها عدم البأس برؤاه وما هو عليه.
وترى المقالةُ أنَّ هذه العقلية ترجع إلى شهوة تكوين الجماعة وطلب النَّفْسِ للجمهور والاستقواء بالأتْبَاعِ أو بالكون منهم، وهذه الشهوة في حقيقتها وواقعها أسٌّ لمشكلات مُعقَّدة يعيشها المجتمع البشري بشكل عام، ومجتمعات المؤمنين على وجه الخصوص.
إنَّ نفسَ هذا المنشأ الخطير يُكوِّنُ فهمَ المُرتَهَنِ إليه للآخر وما يقول وما يكتب، فيفهمه من خلال مسبقات الفرز والإبعاد على اعتبار كونه خطئًا لا يصحُّ احتمال صحَّته، وبالتالي فهو لا يقوى على فهم الشيء كما هو ومن خارج مسبقاته الذهنيَّة والنفسيَّة. وتتضاعف المشكلة وتتفاقم عُقدُها عند وقوع المختلفين في طور فهم كلِّ واحد منهم لمناقشة رؤاه ونقدها على أنَّه تضعيف له وتسقيط لشخصه، والأخطر من ذلك وسمها بالجرأة والتجاسر!
ومشكلة (حمل أفكار الغير وتحمل مسؤولية نشرها والدفاع عنها):
عِمَادُ الجماعات أفكارٌ وقناعاتٌ مُعيَّنة يُمثِّلها في الغالب، أو يكون صاحبُها والمنَظِّرُ لها شخصًا واحدًا، هو القائد أو الرَّمز للجماعة، ويحمل مَنْ دونه تلك الأفكار والقناعات ويمشي بها على أنَّها المحور الفكري الذي يجمع أبناء الجماعة ويلتفون حوله.
عندما يُناقَشُ نَفْسُ الرمزِ أو أحدٌ من جماعته ففي الغالب لا تنتهي المناقشة إلى نتيجة علميَّة موضوعيَّة، وعلَّة ذلك أنَّ اعتراف المُنظِّر أو القائد بخطئه في مسألة يتبناها من المسائل التي يقوم عليها النَّظْمُ الفكري للجماعة، أو في أصل فكرةٍ يعتنقها، فذلك يساوي اختلال ما يَحُكُمُ الجماعة، أو يساوي انفراطَ عقدها، واعتراف من هو دون القائد والرمز بالخطأ يعني طروء الضعف على ارتباطه وانتمائه إلى الجماعة، وهذا إذا قَبِلَ تخطئة الرمز، وإلَّا فهو في الغالب لا يقوى على ذلك، بل لا يقبل حتَّى بفكرة مناقشة تلك القناعات، وفي الواقع هو ليس إلَّا حاملًا لها ولمسؤولية نشرها والدفاع عنها، وما لم يقم بهذا الدور تضررت قُوَّتُهُ الاجتماعيَّة التي تُكْسِبُهُ إيَّاها الجماعةُ والانتماء!
هل تجد الدعوة للتلاقي وتداول الأفكار والقناعات قبولًا؟:
لا أشكُّ في استحكام عقلية الجماعات والتيارات في مجتمعاتنا، ومن الشَّواهد عليها ضعف المجتمع عن استيعاب أن لا يكون شخصٌ منتميًّا أو محسوبًا على جماعة، بل إنَّ من أوَّل الأسئلة سؤال: من جماعة مَنْ؟ ويكفي أن يكون من زوَّار شخصيات، أو مجالس، أو مساجد، أو مآتم مُعيَّنة ليُحسَب على توجهاتها الخاصَّة إذا كانت معروفة بذلك! والأنكى انَّه إذا كان على تواصل مع مختلف الأطياف والتوجهات، فهناك من يقول: مع من هذا؟ فهم، يا للأسف، لا يتصورون شخصًا خارج الجماعات والتيارات!
لذا؛ لا أتصوَّر واقعًا لموضوعيَّةٍ حقيقيَّةٍ لأيِّ مناقشةٍ جادَّة أم عابرة بين المنتمين لهذه التيارات والجماعات، فالأمر في الواقع يتعلَّق بحيثيات وجوديَّة لها خطرها. فإن صحَّ ذلك، وأحسبه صحيحًا، فلن تجد هذه الدعوة قبولًا من أحد، ولا تتجاوز حدَّ التنظير الَّذي قد يكون عند بعضٍ.. مُملًّا.
فالخيار والقرار..
تحضر في هذا المقام روايتان حضورًا قويًّا بمعان واضحة غاية الوضوح..
أُولهما قول أمير المؤمنين (عليه السَّلام): “كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ؛ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ولَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ“[13]؛ حيث إنَّ من مظاهر الفِتَن ومواقع الافتتان هذه الجماعات والانتماءات الَّتي لا همَّ لها أكبر من بقائها واتِّساع رقعتها الجماهيريَّة، وانحصارها في وهم وجود (العدو الدَّاخلي) الَّذي يسعى لسحب البساط من تحت أقدام وجودها! ولذلك فالكلُّ موظَّف أوَّلًا وفي الأصل للمحافظة على بقاء الجماعة، وهو في ذلك مركوبٌ لِراكِبٍ، ومحلوبٌ له أو لغيره.. ولا يبعد أن يكون المركوب راكبًا لغيره، والمحلوب يحلب آخر!
والأخرى ما رواه الكليني بسنده عن سدير، عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السَّلام) أنَّه قال له: “يَا سَدِيرُ الْزَمْ بَيْتَكَ، وكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِه، واسْكُنْ مَا سَكَنَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ، فَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّ السُّفْيَانِيَّ قَدْ خَرَجَ فَارْحَلْ إِلَيْنَا ولَوْ عَلَى رِجْلِكَ“[14]، ومن أوجه ذلك عدم الفائدة من مجرَّد استشعار مسؤولية محاربة دواعي التدابر والقطيعة بين المؤمنين بسبب تياراتهم وانتماءاتهم.
وعليه؛ فلا يبقى إلَّا اعتزال النَّاس، مع المحافظة على علاقات الودِّ والتقديرِ والاحترام وحُسن التواصل مع سائر المؤمنين بما أمرَ به الثِّقلان الشريفان. أمَّا الالتقاء العلمي وتذاكر الروايات الشريفة فمساحته في المؤمنين ليست بواسعة.
روى الكلينيُّ بسنده عن حُمْرَانَ قال: قُلتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ): “أَسْأَلُكَ أَصْلَحَكَ اللَّه.
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقُلْتُ: كُنْتُ عَلَى حَالٍ، وأَنَا الْيَوْمَ عَلَى حَالٍ أُخْرَى.. كُنْتُ أَدْخُلُ الأَرْضَ فَأَدْعُو الرَّجُلَ والِاثْنَيْنِ والْمَرْأَةَ فَيُنْقِذُ اللَّه مَنْ شَاءَ، وأَنَا الْيَوْمَ لَا أَدْعُو أَحَدًا.
فَقَالَ: ومَا عَلَيْكَ أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَه مِنْ ظُلْمَةٍ إِلَى نُورٍ أَخْرَجَه. ثُمَّ قَالَ: ولَا عَلَيْكَ إِنْ آنَسْتَ مِنْ أَحَدٍ خَيْرًا أَنْ تَنْبِذَ إِلَيْه الشَّيْءَ نَبْذًا.
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: (ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
قَالَ: مِنْ حَرَقٍ أَوْ غَرَقٍ. ثُمَّ سَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: تَأْوِيلُهَا الأَعْظَمُ أَنْ دَعَاهَا فَاسْتَجَابَتْ لَه“[15].
إنَّ المسألة في هذه الرواية الشَّريفة هي الدَّعوة إلى الوَلاية، وإنَّما ذُكِرَتْ هنا لجهة درجة احتمال المدعو؛ إذ لا عقلانية في دعوة من لا يحتمل الدعوة، سواء كانت الولاية أو غيرها، بل حتَّى في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط معرفة الطرف الآخر وقبوله بدرجة معتبرة. والتأمُّلُ هُنا حَسَنٌ.
أسأل الله (جلَّ في علاه) أن يكون “الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي“.
السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي
29 شوَّال 1447 للهجرة
البحرين المحروسة
……………………………………….
[1] – المحاسن، البرقي، ص230.
[2] – سورة المائدة : 46.
[3] – الكافي، الكليني، ج1 ص32.
[4] – الكافي، الكليني، ج1 ص399.
[5] – نفس المصدر.
[6] – الكافي، الكليني، ج1 ص69.
[7] – الكافي، الكليني، ج2 ص298.
[8] – فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ط4. (عن: نقد الاستبداد المتطابق.. الكواكبي وعبد الرزاق نموذجًا. لهشام الهداجي).
[9] – الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث في مصر والشَّام، ليفين، ص117 (عن: زكي ميلاد، في ندوة: حركة الاصلاح في العصر الحديث، عبد الرحمن الكواكبي نموذجًا، ندوة: حركة الاصلاح في العصر الحديث، عبد الرحمن الكواكبي نموذجًا، عمان: 15 ـ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2002م).
[10] – طباع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، ص19.
[11] – راجع: الدستور والبرلمان في الفكر السياسي الشيعي. جعفر عبد الرزاق، إيران: كتاب قضايا إسلامية معاصرة، 2000م، ص34. نقلاً عن كتاب: تشيع ومشروطيت در إيران، عبد الهادي حائري، طهران، 1986م، ص223. (عن: زكي ميلاد، في ندوة: حركة الاصلاح في العصر الحديث، عبد الرحمن الكواكبي نموذجًا، ندوة: حركة الاصلاح في العصر الحديث، عبد الرحمن الكواكبي نموذجًا، عمان: 15 ـ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2002م).
[12] – الكافي، الكليني، ج1 ص50.
[13] – نهج البلاغة (تحقيق صالح)، 469.
[14] – الكافي، الكليني، ج8 ص265.
[15] – الكافي، الكليني، ج2 ص211.

