بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
(سُقُوطُ التَّنْزِيلِ عِنْدَ إِعْوَازِ الدَّلِيلِ: نَقْدُ الِاتِّكَالِ عَلَى مَرَاسِيلِ المَقَالِ)
قال الشَّيخ شمس الدين أبو عبد الله محمَّدُ بنُ جمالِ الدِّين مكِّي العاملي الجزِّيني (734 – 786 هـ) المعروف بالشَّهيد الأوَّل -وهو من أكابر الفقهاء-:
“وَقَدْ كَانَ الْأَصْحَابُ يَتَمَسَّكُونَ بِمَا يَجِدُونَهُ فِي شَرَائِعِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَابَوَيْهِ -رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- عِنْدَ إِعْوَازِ النُّصُوصِ، لِحُسْنِ ظَنِّهِمْ بِهِ، وَأَنَّ فَتْوَاهُ كَرِوَايَتِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ تُنَزَّلُ فَتَاوِيهِمْ مَنْزِلَةَ رِوَايَتِهِمْ”. المصدر: (ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الأوَّل، ج1 ص51).
* أبو الحسن بن بابويه المعروف بالصدوق الأوَّل، وهو والد الصدوق الشَّيخ محمَّد بن علي بن الحسين بن بابويه (٣٠٦ – ٣٨١ هـ).
السُّؤال:
كيف تفهم كلام الشَّيخ العاملي عن التعامل العلمي للعلماء (المُعبَّر عنهم بالأصحاب) مع فتاوى الشَّيخ الصدوق الأوَّل؟
يمكنكم الإسهاب والتفريع في بيان فهمكم، مادامت المداخلة في حدود الموضوعيَّة.
*****
هذا سؤالٌ طرحتُه (في الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة 1447 للهجرة) على المتابعين الكرام لحسابي الشخصي على تطبيق التواصل الإلكتروني (Instagram)[1] متطلعًا للتعرُّف على مواقفهم العلميَّة تجاه ما كان عليه العلماء قبل وبعد الشَّيخ العاملي، وقد وُفِّقتُ لمداخلاتٍ من خمسةٍ كِرام جزاهم الله تعالى خيرًا.
تمهيد:
لا شكَّ على الإطلاق في صحَّة الاعتبار العلمي لأفهام العلماء وبياناتهم، ولا يصحُّ مِنْ عَاقِلِ تركها، وقَدْ “سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَىٰ عِلْمِهِ”[2]. فهذه الثِّقة والاعتبار ليس من باعث تقديس أو ما شابه، كما قد يُضَنُّ؛ وإنَّما هو حالة طبيعيَّة تقتضيها جبلَّة الإنسان على التكامل مع غيره.
بل وأكثر من ذلك؛ فالعاقل يسمع مِنَ العالم ومَن هو دونه، ويزن الكلام ويعرضه على ما ينبغي أن يُعرض عليه ليقف على حاله من حيث الصَّحة ونسبتها أو عدمها، لذا فلا ينبغي التوقف عند هذا المبدأ العلمي الواضح، لا سيَّما وهو من صميم طبيعة الإنسان القائمة على قوانين، من أهمِّها قانون التكامل مع عموم ما يحيط به ويخالطه ويعايشه من إنسان وغيره.
مسألة الثِّقة:
إنَّ (مبدأ الثِّقة) من المبادئ الَّتي يقوم عليها مجتمع الإنسان، وبدونها ينعدم الاجتماع، ولكنَّها مختلفة بحسب مواردها، فالمريض -مثلًا- يثق بالطبيب الحاذق المعروف بخبرته ودقته في تشخيص المرض وعلاجه، ولا يُطلب مِنه، أعني المريض، التقصِّي العلمي وراء ما يقوله الطبيب؛ والوجه في ذلك ليس مجرَّد (الاختصاص)؛ بل هو عدم الطريق أمام المريض للتقصي والتحقُّق؛ فالطب ليس نصًّا يُقرَأ ويُحلَّل، ورغم ذلك فإنَّ المريض إذا اكتشف استناد الطبيب في تشخيصه أو علاجه إلى غير التخصُّص العلمي فهو حينها لن يُسلِّم نفسه له وإن كانت ثقته فيه كبيرة.
وفي مِثل علم الاجتماع قد يُوثَقُ في عالِمٍ له باعه وحضوره في البحوث والدراسات والتنظيرات الاجتماعيَّة، ولكنَّ العاقِل الفَطِن لا يُسلِّمُ له في كلِّ ما يقول رغم ثقته فيه وفي علمه، فعلم الاجتماع علم ملاحظة واستقراء، وكلَّما وقعت بحوثه وبحوث العلوم المرتبطة به محلَّ عِناية للمثقَّف العادي كان قادرًا على تسجيل الإشكالات والاعتراضات على ما يثق به من علماء الاجتماع، وهذا لا يعني تجاوز مسألة الاختصاص، ولكنَّ الأمر راجع إلى مدى قدرة الإنسان على الاطلاع والفهم، من الواضح أنَّه هنا ليس مِثل الطبِّ.
إذن؛ يرجع أمر التقصِّي والتحقُّق إلى مدى انفتاح الطرق لفهم المسألة أو المسائل العلميَّة، ولا مُحاجَّة في أنَّ الإنسان مطالبٌ بالبناء على المعلومة الصحيحة التي يتأكَّد هو من صحَّتها.
جِهةٌ منهجيَّة في مسألة الثِّقة:
إنَّ للشَّيخ الصدوق الأوَّل سيرةً طيِّبةً يغبطه عليها المؤمنون، ويكفي أنَّ ولده المُكرَّم الشَّيخ محمَّد حملت به أمُّه وَولِدَ بدعاء الإمام المهدي بن الحسن (صلوات الله وسلامه عليه) بعد اتِّصاله بالشَّيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله تعالى) وطلبه الدعاء من إمام زمانه وزماننا (عجَّل اللهمَّ له الفرج)[3]، كما وأنَّه (رحمه الله تعالى) من متقدِّمي الرواة المُحدِّثين، وطالما روى عنه ولده صاحب التصانيف الباهرة الَّتي لا يسعنا تجاهها إلَّا أن ندعو الله تعالى أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين؛ فقد أحسن والله وأي إحسان.. رحمه الله تعالى وجعله في روضة من رياض الجنَّة إلى اليوم المعلوم.
فما نحن بصدده لا علاقة له بدرجة الثِّقة في فقيه مثل الصدوق الأوَّل، فالمطلع لا يملك إلَّا أن يثق فيه وفي أمثاله مِنَ الرواة والمُحدِّثين الكِرام، ولكنَّ هذه الثِّقة لا تدعو بحال إلى إغفال الضرورة من الوقوف على المستند الَّذي يستند إليه الفقيه في كلامه، سواء كان فتوى أو رأي أو غير ذلك من سائر أصناف البيانات العلميَّة، أمَّا أنْ يُقال بكفاية الثِّقة في الأخذ بقول الفقيه في موارد عدم وجدان الدليل الَّذي يستند إليه في قوله، فهذا غير صحيح، بل هو خللٌ منهجيٌّ خطير.
بيان الخطورة:
روى الشَّيخ الكليني بسنده عن أبي حمزة الثُّمالي؛ قال:
“قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِيَّاكَ والرِّئَاسَةَ، وإِيَّاكَ أَنْ تَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ؛ أَمَّا الرِّئَاسَةُ فَقَدْ عَرَفْتُهَا، وأَمَّا أَنْ أَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ فَمَا ثُلُثَا مَا فِي يَدِي إِلَّا مِمَّا وَطِئْتُ أَعْقَابَ الرِّجَالِ!
فَقَالَ لِي: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ؛ إِيَّاكَ أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَه فِي كُلِّ مَا قَالَ“[4].
إنَّ الفقيه الَّذي تحقَّقت فيه الفقاهة بحسب الموازين المُبيَّنة في الروايات الشَّريفة أهل للثِّقة ولتصديق مقاله، ولكنَّ ذلك مشروط باستناده إلى دليل مُثبَتٍ يمكن الوصول إليه، أمَّا الثِّقة فيه وتصديقه استنادًا إلى كونه فقيهًا مُتخصِّصًا فهذا مخالِفٌ لتحذير الإمام المعصوم (عليه السَّلام).
وهنا أمور ثلاثة:
الأوَّل: انحراف وضلال فقهاء كبار على مرِّ التَّاريخ وانْكِشَاف أمرهم.. كبلعم بن باعوراء والسَّامري، مرورًا بعلي بن أبي حمزة البطائني، وصولًا إلى الشلمغاني (المعروف بابن أبي العزاقر)، وهؤلاء انكشف انحرافهم وبان ضلالهم، وقد ينحرف عالِمٌ دون أن يلتفت إلى انحرافه لا هو ولا غيره، فمسألة الانحراف ليست دائمًا على حدٍّ من الوضوح، بل في كثير من الأحيان يبدأ الضلال بمسألة أو مناقشة تجد لنفسها مكانًا في ميزان الأندية العلميَّة، ومنها يأخذ الانحراف في التباني والتنامي، والرسوخ.
الثَّاني: التأثُّر بأفكار ومبادئ ونظريات وأصول المنحرفين وأهل الضلال من خلال التَّثاقف الَّذي لا يهدأ عن الدوران في المجتمعات، وفي الغالب لا يكون ذلك التأثُّر ملحوظًا، بل أنَّ خطورته تشتدُّ لطبيعته التراكميَّة، بعد أن يجدُ أهل النَّظر بأسًا في الأخذ بها، بل قد يرونها موافقة لتعقلاتهم.
الثَّالث: ما يَعرض على الإنسان من غفلة وسهو وأوهام، وما تحيط به من ضغوط وتتناوله من تجاذبات، لا سيَّما إذا كان في موقع الفقاهة والإفتاء والقيادة؛ فهو حينها يكون بين تردُّدات شديدة للآراء ومن يدافع عنها ومن يرفعها، وآخر ينقضها ويقصيها، ولأسماء كبيرة منها المتقدِّم والمتأخر والمعاصر، وما نحو ذلك مِمَّا يُكَوِّنُ ضغوطًا هائلة على نفس الأجواء العلميَّة، والأخطر من ذلك إذا عُدَّ هذا الضغط جزءًا من المُكوِّن العلمي دون مراعاة لقواعد وضوابط التحرُّر النَّفسي والِّهني منها لمصلحة النَّص المعصوم، بل والأشدُّ خطورة عدُّ هذا التحرُّر تمرُّدًا وخروجًا عن جادَّة العلميَّة وطلب العلم!
تباني الاعتمادات الخاطئة يعمُّ ما سبق؛ كأن يُخطئ الأوَّل في تقدير أمرٍ ما، ويجري غيرُه على ما هو عليه ثقة فيه، ويبني آخرون على ما بنته الطبقة الثَّانية، وربَّما صيغت نظريات ومبادئ على مشهور لا أصل له.
نعم؛ تُناقش الآراء ولا يُسلَّم لها قبل تمحيصها بالنقض والإبرام، ولكنَّ محلَّ التعقيد هو أن يكون الرأي والنظر والفهم هو المحور الَّذي يدور أمره بين البقاء، والاستبدال برأي أو نظر أو فهم آخر، ولذلك يأتي التأكيد على أنَّ الخشية إنَّما هي لسيطرة ما لا يستند إلى نصٍّ صريح يجده الباحث ليَنْصَبَّ النِّقَاشُ فيه وفي دلالاته.
مِثال على غفلة واحدٍ أو بعضٍ عن التحقُّق والتثبُّت:
كتبتُ:
“تُتَداول هذه المقولة بأكثر من تعبير، منها: “لا تُؤدِّبُوا أولادكم بأخلاقكم؛ لأنَّهم خُلِقُوا لزمان غير زمانكم”. ومنها: “لا تُكرِهُوا أولادكم على آثاركم؛ فإنَّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”. ومنها: “لا تقسِروا أولادكم على آدابكم؛فإنَّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”. وقد نَسَبَها أحدُ شارحي نهج البلاغة، وهو ابن أبي الحديد المُعتَزلي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، إلَّا أنَّها، وبحسب التتبع، ليست ممَّا قاله (عليه السلام)، ولا توجد في كتبنا الحديثية، لا المعتبرة، ولا غير المعتبرة، ولا القديمة، ولا الحديثة!
وجدتُ بعضهم يُرجِعها إلى بعض فلاسفة اليونان؛ فقيل: سقراط، وقيل: أفلاطون، كما في الملل والنحل للشهرستاني، والتذكرة الحمدونية لابن حمدون.
ربَّما ساعدتْ هذه المقولة على تقوية العقلية التبريرية التي تسعى حثيثًا لفصل الأجيال عن الأصول القِيَمِية الثابتة، ما أدَّى إلى طروء حالة من التهافت في القناعات النفسية والاجتماعية الطبيعية التي تدفع الآباء بشكل تلقائي وبدون أدنى تكلُّف ليكونوا واسطة في التباني الثقافي والأخلاقي والسلوكي بين آبائهم وأولادهم.. وهنا أمر في غاية الأهمية.. ترجع الكثير من أصولنا وأدبياتنا السلوكية إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ما يوجب التمسك بها واعتمادها أُسُسًا لكافَّة بناءاتنا الأدبية والأخلاقية.. لذا، فحتَّى مع التسليم بصحة مضمون “لا تقسِروا أولادكم على آدابكم فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، إلَّا أنَّه لا يصحُّ الأخذ به على إطلاقه، بل من الصحيح قصره على الآداب العادية التي أنشأتها الظروف الثقافية والاجتماعية المتغيرة.
فلننتبه.. إفساحُ الصغار للكبار في المجالس أدبٌ إسلاميٌّ ثابت.. مشاركةُ الناس لبعضهم البعض في الأفراح والأحزان أدبٌ إسلاميٌّ ثابت.. والكثير جدًّا ممَّا له أصلٌ في إسلامنا العظيم، فلا ينبغي تركه بحجَّة “لا تقسِروا”.. خصوصًا بعد عدم ثبوته حديثًا عن معصوم”[5].
أكتب مقالتي هذه وبين يَدَيَّ أكثرُ من بحثٍ فقهيٍّ وأكاديميٍّ ومنبريٍّ لعلماءَ وأكاديميون وخطباء يستندون فيها إلى ما يرونه دليلًا ومستندًا علميًّا، ومنها هذه الرواية، ومرجعهم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المُعتزلي! بل حضرتُ قبل سنوات قليلة محاضرة لخطيب كبير من خطباء المنبر ابتنى فيها كلامه عليها! والأشدُّ عجبًا أنَّ هناك مِمَّن وقف على عدم ثبوتها عن أهل بيت العصمة (عليهم السَّلام)، يقول: وعلى تقدير عدم ثبوتها فإنَّه يمكن الإفادة منها في كذا وكذا..!! وها هي محاضرة لواحد مِمَّن يشار إليهم بالبنان في مجال التحقيق والتتبع، يصف هذه المقولة بكونها (وصيَّة علويَّة)!
لاحظوا السُّلطة الوجوديَّة الَّتي أصبحت بيد هذه المقولة؛ وما ذاك إلًّا بسبب التهاون في التثبُّت عندما تردَّدت على ألسنة من نثق بهم، وهم أهل للثِّقة، ولكنَّ الموارد العلميَّة لا تقبل بتحكيم الثِّقة على حساب ضرورة التثبت العلمي الشَّخصي، ولا يصحُّ البناء على فرض تَثَبُتِ مَن نثق به، فقيهًا كان أو باحثًا أو ما نحو ذلك، ونؤكِّد على أنَّ واجب التحقُّق لا علاقة له، لا من قريب ولا من بعيد، بثقتنا العلميَّة والإيمانيَّة بالفقيه أو الباحث، وهذا أمر لا بدَّ أن يكون واضحًا تمامًا. ومِمَّا ينبغي أن يكون واضحًا أيضًا هو خفاء التهاون، بل هو يلبس لبوس التحقيق والتمحيص، وهذه معضلة معقَّدة.. نعم؛ الحقُّ أنَّها مُعقَّدة غاية التعقيد.
روى الشَّيخ الكليني بسنده عن أبي الجارود؛ قال: “قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْء ٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللَّه. ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ حَدِيثِه: إِنَّ رَسُولَ اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَهَى عَنِ الْقِيلِ والْقَالِ وفَسَادِ الْمَالِ وكَثْرَةِ السُّؤَالِ. فَقِيلَ لَه: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه؛ أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّه؟ قَالَ: إِنَّ اللَّه (عَزَّ وجَلَّ) يَقُولُ: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، وقَالَ (ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيامًا)، وقَالَ (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)“.
أوليس قول الإمام (عليه السَّلام) ثاني مصادر التشريع؟ أليس هو في نفسه مصدر للتشريع؟ ولو لم يسأل الأصحابُ الإمامَ (عليه السَّلام) عن مستند كلامه الشَّريف في الكتاب العزيز لما كان مجانبين للحقِّ، ولكنَّها متانة العِلم ومعنى اليقين فيه.
اعتبار قول الراوي المُحدِّث:
قدَّمنا بأنَّ الفقيه من رواة حديثهم (عليهم السَّلام) له اعتباره العلمي بلا شكَّ، ولكلامه الشَّخصي دون إسناد إلى الإمام (عليه السَّلام) وزنه الَّذي لا يصحُّ من عاقل الاستهانة به، وإنَّما الكلام عند عدم الإسناد في وجود المؤيِّد مِن أحاديثهم (عليهم السَّلام)، وهذا ما يقف عليه المُتتبِّع صاحب الهِمَّة العلميَّة في سبر أغوار كتبنا الحديثيَّة المُعتبرة، وإذا ظفر منها بما يُؤيِّد كلام العالم الفقيه صار إليه، وأبقى كلامه للإفادة منه في الفهم.
إنَّني لأرجو من الله (عزَّ وجلَّ) التوفيق لكتابة بحثٍ علميٍّ يتناول هذه المسألة من مختلف جهاتها، وإلى ذلك الحين أحسبُ هذه المقالةَ وافيةً بغرض التنبيه والبيان الأوَّلي لمعالمها.
خاتمةُ المطاف وبداية المسار نُورُ كلامهم (عليهم السَّلام):
عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليه السَّلام)؛ قال: “طَلَبُ اَلْعِلْمِ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اَللَّهِ“[6]، أوجبها الله تعالى على كلِّ مسلمٍ، لقول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “طَلَبُ اَلْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ“[7]، وهي فريضة قد شابهتِ الصَّلاةَ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِ التكليف بها على أيِّ حال؛ لقول أبي عبد الله الصَّادق (عليه السَّلام): “طَلَبُ اَلْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ“[8].
ولأنَّها فريضةٌ مِنَ فرائِضِ الله جلَّ في عُلَاه كان على أئمَّةِ الهُدى (عليهم السَّلام) بيانُ حدودها. وأوَّل ما يجب على المسلمين معرفة العِلم الَّذي فرض الله تعالى عليهم طلبه، وقد حصره النبيُّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في ثلاثة؛ حيثُ قال: “إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ؛ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ. ومَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ[9]“، وقد بيَّن (صلَّى الله عليه وآله) عنوانه الجامع فيما “بِهِ يُعْرَفُ اَلْحَلاَلُ وَاَلْحَرَامُ“، وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السَّلام): “سَارِعُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَحَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي حَلَالٍ وَحَرَامٍ تَأْخُذُهُ عَنْ صَادِقٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا حَمَلَتْ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ؛ وَذٰلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[10]“.
وبناء على كون طلب علم الدين فريضةً مِن فرائض الله جلَّ في عُلاه على كلِّ مسلم، وعلى كلِّ حال؛ حدَّد الإسلام الجهةَ الَّتي يُطلب منها، وللتو قرأنا حديث الإمام الباقر (عليه السَّلام)؛ وفيه: “لَحَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي حَلَالٍ وَحَرَامٍ تَأْخُذُهُ عَنْ صَادِقٍ“، وجاءت هذه العبارة الشَّريفة بعد قوله (عليه السَّلام): “سَارِعُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ“، والحديث الواحد في الحلال والحرام لا يؤخذ من غير الإمام المعصوم (عليه السَّلام)، إمَّا منه دون واسطة، أو بواسطة رواة حديثهم (عليهم السَّلام)، وإلَّا لدخل المظنون، وهو ما لا يستقيم مع كون طلب العلم فريضة من الله تعالى؛ إذ أنَّ الفريضةَ تقوم بحدودها الواقعيَّة الَّتي لا يجوز تجاوزها بحال. ويدلُّ على ذلك اشتراط المعصوم (عليه السَّلام) رواية الحديث والنَّظر في حلالهم وحرامهم (عليهم السَّلام)، وهو ما ورد في رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) في مسألة المتخاصمين، قوله: “يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، ونَظَرَ فِي حَلَالِنَا وحَرَامِنَا، وعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَلْيَرْضَوْا بِه حَكَمًا؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُه عَلَيْكُمْ حَاكِمًا. فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْه مِنْه فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّه وعَلَيْنَا رَدَّ، والرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّه، وهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّه“[11]، والأوضح رواية أحمد بن محمَّد بن أبي نصر؛ قال: “قُلْتُ للرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): جَعَلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ: نَسْمَعُ الْأَثَرَ يُحْكَى عَنْكَ وَعَنْ آبَائِكَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ وَنَعْمَلُ بِهِ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا وَاللَّهِ، مَا هٰذَا مِنْ دِينِ جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؛ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْنَا، قَدْ خَرَجُوا مِنْ طَاعَتِنَا، وَصَارُوا فِي مَوْضِعِنَا. فَأَيْنَ التَّقْلِيدُ الَّذِي كَانُوا يُقَلِّدُونَ جَعْفَرًا وَأَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: لَا تَحْمِلُوا عَلَى الْقِيَاسِ؛ فَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُعَادِلُهُ الْقِيَاسُ إِلَّا وَالْقِيَاسُ يَكْسِرُهُ“[12]، ومحلُّ الشَّاهدِ قوله (عليه السَّلام): “فَأَيْنَ التَّقْلِيدُ الَّذِي كَانُوا يُقَلِّدُونَ جَعْفَرًا وَأَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)؟“.
إنَّ هذه الروايات في مجموعها تُكوِّنُ العُمق الثَّقافي والفكري عند متأمِّلها ومتدبّر مضامينها والآخذ بها معينًا صافيًا، وجوهر ما يخرج به ولباب ما تزكو به نفسه، هو أنَّ الكلام لنصوص المعصومين (عليهم السَّلام)، وما دونه له اعتباره العلمي، ولكن لا يُنفَرد به دون مُؤيِّد صريحٍ من رواياتهم الشَّريفة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
عن يحيى بن زكريا، عن أبي عبد اللَّه (عليه السَّلام)؛ قال: “سَمِعْتُه يَقُولُ: مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا، وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي“[13].
زُبدةُ المخاض:
تأسيسًا على ما تقدَّم، تخلُصُ المقالةُ إلى أنَّ المنهجيَّةَ التأصيليَّةَ الحقَّةَ الَّتي قامتْ عليها مدرسة أهل البيت (عليهم السَّلام) تقضي بـ(حاكميَّة النَّصِّ المعصوم) وتَفَرُّدِهِ بالحُجِّيَّةِ التعبديَّةِ المُطْلَقَةِ وبصورةٍ مباشَرةٍ دون توسيط شيء. ومِنْ ثُمَّ، فإنَّ تَنزيل فتاوى الفقهاء المتقدِّمين، مهما جَلَّ قدرهم وعظمتْ منزلتهم، منزلةَ الرواية عند إعواز النصوص، هو مسلك يفتقر إلى المدرك الشَّرعي الصحيح، ويؤول علميًّا إلى إعطاء الأقوال الاجتهادية صلاحية النُّصوص التَّشريعيَّة.
إنَّ حُسْنَ الظنِّ بالعَالم مَقَامٌ أخلاقيٌّ محمود، لكنَّه ليس دليلًا يُسْتَنبط منه الحُكمُ الشَّرعيُّ؛ إذ الظنُّ لا يغني من الحقِّ شيئًا، إلَّا أنْ يُشرِّعَه المعصوم (عليه السَّلام).
وعليه، فإنَّ (سقوط التنزيل) عند فقدان الدليل هو صمَّام الأمان الَّذي يحفظ للفقه نقاءه، ويعصم الأمَّة من خطر الاتِّكال على مراسيل المقال، مع حفظ الاعتبار العلمي لها.
ومن هنا، يبقى التقصِّي والتثبُّتُ وربط الفروع بأصولها الروائية الثابتة هو المسار العلمي الوحيد الذي تبرأ به الذمَّةُ إن شاء الله تعالى.
السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي
الثَّالث من ذي الحجَّة 1447 للهجرة
البحرين المحروسة
***************************
[1] – صفحة الموضوع: https://www.instagram.com/p/DYM5i2NCDIV/
[2] – المحاسن، البرقي، ص230.
[3] – راجع كتاب (كمال الدين) للشَّيخ محمَّد بن علي بن بابويه القمِّي المعروف بـ(الشَّيخ الصدوق).
[4] – الكافي، الكليني، ج 2، ص298.
[5] – نصُّ مقالة قصيرة كتبتها في 19 من ذي القعدة 1440 للهجرة، ونشرتُها في حسابي الشخصي على تطبيق (Instagram).
[6] – بصائر الدرجات، الصفَّار، ص 23.
[7] – الكافي، الكليني، ج 1، ص 72.
[8] – بصائر الدرجات، الصفَّار، ص 23.
[9] – الكافي، الكليني، ج 1، ص 76.
[10] – المحاسن، البرقي، ج1، ص227.
[11] – الكافي، الكليني، ج 1، ص 169.
[12] – قرب الإسناد، الحِميَري، ص 357.
[13] – الكافي، الكليني، ج 2، ص 306.

