بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وآلِهِ الطيبين الطاهرين
(ولا تنازعوا فتفشلوا).. مقالةُ الدِّين في ذمّ المراء والفجور في الخصومة
يمتلك الإنسان قدرات كبيرة هائلة على قلب المفاهيم وإظهار أشد الباطل وضوحًا بمظهر الحق، وأشد الحق وضوحًا بمظهر الباطل، ويتمتَّع بقدرة غريبة على تصديق كذبه وأن يعيشه صدقًا ويدافع عنه، بل ويضحي من أجله حتَّى بالمال والولد والنفس! يقول تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ)، ثُمَّ قال جلَّ في علاه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)؛ وذلك لأنَّ (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)؛ فالشَّاهِد في هذه الآيات الكريمة هو أنَّهم يخدعون أنفسهم (وَمَا يَشْعُرُونَ)، ويفسدون و(لاَّ يَشْعُرُونَ)، وهذا يعمُّ مِنَ هم موضوع الآية (مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وغيرهم؛ حيث إنَّ ما يقف وراء عدم شعورهم بواقع حالهم هو القدرة على الامتزاج النفسي والذهني مع الكِذبة في أوَّل أمرها.
إنَّ لهذا السُّلوك البشري أثرًا مباشِرًا في تضييع الحقائق، وتضليل النَّاس، وإبعادهم عن جادَّة الصواب، لا سيَّما في موارد النزاعات والخصومات عندما يدَّعي الحقَّ كُلُّ طَرَفٍ، ويكون كلُّ واحدٍ من الأطراف عند الآخر على باطلٍ بالضرورة. وإذا كان الحقُّ مع طرف حقيقةً، ولكنَّ الطرف الآخر أقدر على الدِّفاع عن باطله وإظهاره في ثوب الحق والصواب، فقد يُقصى الأوَّل ويَغْلِبُ الثَّاني، ويعيش النَّاس معه في ضلال يحسبونه حقًّا ويدافعون عنه!
نشهدُ في واقع مجتمعنا نزاعات وصراعات بين مؤمنين يندى لها الجبين؛ لِفُجُورٍ في الخصومة تحرق نيرانه كلَّ سَبَبٍ قَد يُؤمَّل فِيه أنْ يكون لرجعةٍ يُحبِّها الله ورسوله.. ويا للأسف؛ فالواحد منهم يُمزِّق الآخر باسم الدين والمبادئ والقِيَم (قربة إلى الله تعالى)!
ولا حول ولا قوَّ إلَّا بالله العلي العظيم.
الواضِحُ الصَّريحُ في النُّصوصِ الشَّريفةِ نَهيُ المؤمنين عن التنازع والمراء والفجور في الخصومة فيما بينهم تحت أي عنوان كان، فقد قال جلَّ في عُلاه: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): “ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّه (عَزَّ وجَلَّ) بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ؛ مَنْ حَسُنَ خُلُقُه، وخَشِيَ اللَّه فِي الْمَغِيبِ والْمَحْضَرِ، وتَرَكَ الْمِرَاءَ وإِنْ كَانَ مُحِقًّا“، والمراءُ؛ المُجادلة وعصر الكلام للغلبة وكسر عظم الاخر دون أدنى مراعاة لغير إصابة هذه الغاية.
إنَّني في هذه المقالة أسرد الروايات الشَّريفة سردًا، دون تعليق، وليتَّقِ المؤمنُ اللهَ تعالى في نفسه وأهله والمؤمنين..
عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِيَّاكُمْ والْمِرَاءَ والْخُصُومَةَ؛ فَإِنَّهُمَا يُمْرِضَانِ الْقُلُوبَ عَلَى الإِخْوَانِ، ويَنْبُتُ عَلَيْهِمَا النِّفَاقُ“.
وعَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: “قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَا تُمَارِيَنَّ حَلِيمًا ولَا سَفِيهًا؛ فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَقْلِيكَ (أي: يُبغِضك، وفي بعض النسخ: يغلبك)، والسَّفِيه يُؤْذِيكَ“.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): مَا كَادَ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَأْتِينِي إِلَّا قَالَ: يَا مُحَمَّدُ.. اتَّقِ شَحْنَاءَ الرِّجَالِ وعَدَاوَتَهُمْ“.
وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْكِنْدِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “قَالَ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِيَّاكَ ومُلَاحَاةَ الرِّجَالِ (أي: مخاصمتهم)“.
وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): مَا أَتَانِي جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَطُّ إِلَّا وَعَظَنِي، فَآخِرُ قَوْلِه لِي: إِيَّاكَ ومُشَارَّةَ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا تَكْشِفُ الْعَوْرَةَ، وتَذْهَبُ بِالْعِزِّ“.
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “إِيَّاكُمْ والْمَشَارَةَ؛ (أي: المخاصمة) فَإِنَّهَا تُورِثُ الْمَعَرَّةَ (الإثم والأذى والغُرم…) وتُظْهِرُ الْمُعْوِرَةَ (العيوب المستورة)“.
وعَنْ عَنْبَسَةَ الْعَابِدِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “إِيَّاكُمْ والْخُصُومَةَ فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ وتُورِثُ النِّفَاقَ وتَكْسِبُ الضَّغَائِنَ“.
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّه، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِه، رَفَعَه؛ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (عَلَيْهِ السَّلَامُ): “مَنْ زَرَعَ الْعَدَاوَةَ حَصَدَ مَا بَذَرَ“.
وإذا تفاقم الفجور في الخصومة وصِيرَ إلى ما رواه مُفضَّلُ بنُ عُمر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السَّلام)؛ قال: “مَنْ رَوَى عَلَى مُؤْمِنٍ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَه وهَدْمَ مُرُوءَتِه لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَه اللَّه مِنْ وَلَايَتِه إِلَى وَلَايَةِ الشَّيْطَانِ فَلَا يَقْبَلُه الشَّيْطَانُ!!”.
ألم تصل هذه الروايات الشَّريفة إلى حدِّ التواتر؟ وهل يغيب عن العاقل تصديقُ أئمَّة الحقِّ (عليهم السَّلام) لها في مواقفهم وطريقة تعاملهم مع خصومهم؟ هذا ولا كلام في كون الحقِّ معهم، كما ولا جدال في قدراتهم على قلب المعادلات الجماهيريَّة وتجييش النَّاس لصالحهم، فهذا لن يستغرق أكثر من خُطبَةٍ تحريضيَّة تُبسَطُ فيها اليد على (العاطفة الجمعيَّة)، وحينها لن يُغلَبُوا!
ولكنَّه ليس طريقهم، ولا هي طريقتهم، فهم (صلوات الله وسلامه عليهم) يعرفون أيَّ المعارك معركة المؤمن، ولذلك فإنَّهم يتركون إرثهم وتراثهم ومنابرهم ومساجدهم إلى يوم يُظهِر اللهُ فيه الحقوق حين تجتمع عقول العباد وتكتمل بها أحلامهم.
نعم؛ أدافع عن حقِّي، وأُظهِر أدلتي، ولكنَّني لن أقع.. إن شاء الله تعالى وبحوله وقوته وحُسنِ عنايته، في فخِّ العداوة والخصومة والفجور فيها؛ فإن أُعطيتُ حَقِّي بعد دفاعي عنه دفاعًا في حدود إظهار الأدلة، وإلَّا فالأمر مُوكَلٌ إلى الله تعالى محافِظًا على سلامة قلبي ونفسي مِنَ العداوة والشحناء والبغضاء، وبالخروج عن هذه الجادَّة تُفتح الأبوابُ على مصاريعها للشياطين لتتربع وتفرِّخ في صدري.
لذا فالنفس السليمة تبعث المؤمن على أن يُورِّثَ المحبَّة والمودَّة لِمَن يأتي بعده، لا الشحناء والبغضاء والعداوات تُغذِّي أجيالًا وأجيالًا فيدفعوا أثمانًا باهظة لعنادٍ وعصبيةٍ حفظها قلمُ التاريخ إرثًا في النفوس فَأمْرَضَهَا، وفي النيات فأسْقَمَهَا.
أقولها آسِفًا؛ إنَّ مثلَ هذا المقال لن يُؤثِّرَ على الإطلاق في المتنازعين، بل قد يتَّخِذونه أداة لتكريس ما هم عليه وزيادة وتيرة عداواتهم، ولكنَّها كلمة أرجو أن يكون لله فيها رضىً ولعابِرٍ أجر وثواب.
وكلمة أخيرة..
بالرغم من ترائي أطراف نزاعٍات في ذهني، إلَّا أنَّني لا أقصد أحدًا بعينه، وليشهد الله جلَّ في عُلاه على سلامة النيَّة مِن شوائبَ تُردِيها..
رَجَعَ أميرُ المُؤمنِينَ مِنْ صِفِّينَ فَأَشْرَفَ عَلَى الْقُبُورِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، وقال: “يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، والْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ، والْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ.. يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ.. يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ.. يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ.. يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ؛ أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ ونَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لَاحِقٌ.. أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ.. وأَمَّا الأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ.. وأَمَّا الأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ؛ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِه فَقَالَ: أَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى“.
السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي
21 رجب 1447 للهجرة
البحرين المحروسة

