بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّدٍ وآله الطيبين الطاهرين.
قلتُ لولدي: تهيَّأ لتنتقل أنت وزوجتك وأطفالك إلى السكن في (الفريق).
فقال لي على استحياء: عذرًا يا والدي، لكنَّني لا أشعر بالاطمئنان على زوجتي وأطفالي في ظلِّ هذا الاكتظاظ بسكن العمالة الوافدة من العُزَّاب!
ماذا عساني أن أقول؟ إنَّني أتفهَّم مخاوفه، وأحلم باليوم الذي يستعيد فيه حيُّنا روحَ الأمس في ثوبٍ معاصر؛ أو، في أدنى الأماني، أن يتغيَّر هذا الواقع المحزن.
ولا يقتصر الحديث على المنامة؛ فهذه المشكلة تتكرَّر في عددٍ من «فرقاننا». ومع إقرارنا بوجودها، فإنَّنا ندرك تعقُّدها أيضًا؛ إذ تتداخل فيها عوامل عدَّة، أبرزها عاملان: أوَّلهما الامتداد العمراني خارج الأحياء القديمة، وما يصاحبه من صعوبة الاحتفاظ بالبيت القديم؛ فحين لا تكون الكهرباء مدعومة، يجد المالك نفسه مضطرًّا إلى البحث عن دخلٍ شهريٍّ إضافيٍّ لتغطية فاتورتها.
وثانيهما صعوبة العثور على مستأجرٍ مواطنٍ يقيم طويلًا، في ظلِّ ما تتيحه خيارات السكن الاجتماعي وبيوت الإسكان ونحوها. ويُضاف إلى ذلك كثرة المستأجرين من عُزَّاب العمالة الوافدة مقارنةً بالأُسر غير المواطنة. ففي بعض الحالات، يستأجر شخصٌ العقار، ثم يعيد تأجير مساحات النوم فيه لعددٍ من المستأجرين بالتناوب؛ فتكون المساحة لشخصٍ ثماني ساعاتٍ مثلًا، ثم لآخر، وهكذا على مدار اليوم!
إنَّ التغيُّر وتبدُّل الأحوال سُنَّةٌ اجتماعيةٌ لا يمكن إغفالها ولا يصحُّ إنكارها. لكنَّ الحفاظ على أصالة مملكة البحرين يقتضي قوانين نافذة تحدُّ من عشوائية السكن، وتعيد الحياة الاجتماعية إلى مدننا وقرانا وأحيائنا القديمة، مع توفير سكنٍ منظَّمٍ وملائمٍ للعمالة الوافدة في مناطق مخصَّصة، بما يصون كرامة الجميع ويحفظ (للفرقان) طابعها الاجتماعي.
هذا ما نرجوه من الجهات المسؤولة الموقَّرة. أمَّا الأهالي، فلهم دورٌ لا يقلُّ أهمية؛ إذ يؤلمنا أن ينحسر الحرص على تاريخٍ لا تزال بصماته حاضرةً فينا، أفرادًا وأُسرًا وجماعات. فكيف يرضى مالكٌ بأن يسهم، من خلال تأجيرٍ غير منظَّم، في طمس ملامح حيٍّ كان هو جزءًا من تاريخه؟
إنَّه لأمرٌ يدعو إلى الأسى؛ فللبحرين إرثٌ اجتماعيٌّ عريق، ولأحيائها جمالٌ خاصٌّ، ولمجالس الأهالي في فرقانهم وقراهم أُنسٌ لا يُنسى، ولأزقَّتها، على ضيقها، رحابةٌ تنشرح بها الصدور.
فكيف نترك تلك الأحياء، التي احتضنتنا بحنانها، تفقد شيئًا فشيئًا معالم الألفة والطيبة والسماحة؟ وكيف نسمح بأن تطغى المصالح الآنية على ذاكرة المكان وحقِّ الأجيال في أن تعرفه وتأنس به؟
ما زال عبقُ تلك الأحياء حيًّا في صدورنا، وما زلنا نتطلَّع إلى يومٍ نستعيد فيه روحها، لا لنعيش في الماضي، بل ليجد أولادنا وأحفادنا في حاضرهم شيئًا من دفئه وأُلفته.
السَّيد محمَّد السَّيد علي العلوي
26 جمادى الأولى 1448 للهجرة
(فريق المخارقة)
